نفحات
أخبرني حفيده المولى فخر الدين عبد الله بن حسن بن علي بن الحسين عن أبيه أن جده صاحب الترجمة وصل إلى موقف ولده المولى جمال الدين علي بن الحسين وقد أخذ نعليه بيده فسأله عن سبب ذلك والموقف غاص بالأعيان فذكر لهم أن الباعث على ذلك أنه لمال خرج من بيته قصده كل أحد يراه في الطريق من صغير وكبير، وعالم وجاهل، وأرملة يتبركون به ويسلمون عليه، ويستمدون منه الدعاء، فخاطب نفسه بأنه ليس أهلا لمثل ذلك، فأجابت عليه نفسه مهلا فإنك الحسين بن علي بن المتوكل والدك العظيم العلامة الشهير، وجدك المتوكل إسماعيل، وأعمامك المؤيد، ويوسف، والحسن، والحسين، والمحسن، وسائر إخوتهم وكل واحد ملك عظيم، وسيد فخيم، ووالدتك فاطمة بنت المهدي رئيسة زمانها، وجدك أبو أمك المهدي، وأخوالك صاحب المواهب، والحسين، وإسحاق، وسائر إخوتهم وكل منهم رئيس جليل، وهمام نبيل، قال: فرأيت نفسي قد تطلعت فما وجدت بدا من تنزيلها تلك المنزلة ولو وجدت [337-أ] ما هو أدون لفعلت، وكان لا يدخر شيئا بل يتصدق به بالغا ما بلغ، وكثيرا ما يتصدق بما فوقه من الملبوس فيرجع وليس إلا رداء واحد.
وأما فراش بيته فقل أن يترك منه شيئا في أكثر الحالات، وربما باع داره فيجيئ السائل يصف له حاجته إلى بيت فيعطيه قيمتها جميعا وبالجملة فجوده وزهده وحقارة الدنيا عنده أمر لا يمكن التعبير عنه.
[وفاته]
وكانت وفاته في شهر القعدة الحرام سنة تسع وأربعين ومائة وألف بصنعاء، وولادته كانت بضوران سنة اثنين وسبعين وألف، ومن شعره في أيام تزهده قوله:
هباني مضى العمر مني هبا
وأني ترشفت ثغر الهوى
وإني ذهبت إلى حبه
أطارح فيه حمام الحما
أليس لرب السماء رحمة
وسيف لحز رقاب الذنوب
فيا قلب أنبيك أن الكريم ... أوان المشيب وعصر الصبا
فقبلته ألعسا أشنبا
فصيرته مذهبا مذهبا
وأسأل عنها نسيم الصبا
تصير هذا وهذا هبا
شبا حده دائما ما نبا
له في التجاوز عنا نبا
صفحة ٤٢٩