نفحات
وأما صاحب الترجمة فهو أقضى قضاة الزمان، وأجل نبلاء الأعيان، وأعظم الرؤساء وواسطة عقد الوزراء، جمع شتى الفضائل وحوى جميع الكمالات من العلم والرئاسة وحسن الخلق والكرم والمروة وشرف النفس والنجابة والسيادة والشجاعة، وثبات الجأش وجودة الرأي والدهاء والحذق وحسن النظر في الحكومات، وحسن [352ج] التدبير في فصل الخصومات والواردات الدولية والسياسات والنظر في المصالح العامة والخاصة، وأجرى القوانين الكلية عن أفضل أوضاعها مع ذلاقة لسان وبلاغة معنى، وفصاحة لفظ وجزالة قول، وباعه طويل في الكتابة والإنشاء، وقل أن يعتمد التسجيع أو ملاحظة البديع بل يلتفت إلى المعنى وإتمام المقاصد واستيفاء الخوض وأحكامه وموضوعاته في غاية الأحكام والرصانة وجودة الرأي وله الأسلوب البديع في مصادر الأمور ومواردها، وكثيرا ما ترد عليه القضايا المعضلة والأمور المشكلة، فيحكم الأساس في وضعها ويجيد النظر فيها فيبرز رأيه فيها في غاية الأحكام مقبولا عند جميع الأنام، وربما أبان الوجه فيما رأه وقضاياه عند الرؤساء والحكام يجعلونها دستورا يحذون على مثالها، وينسجون على منوالها وسؤالها ومطهرة مظهره الأمراء عند بروزه للناس فهو كما قيل في دولة بني القاسم كأبي يوسف القاضي في أيام بني العباس وأحواله أحوال الوزراء في الحل والإبرام وسياسة الجمهور من الأنام، وقوانينه قوانين الرؤساء في الرفهاية والتوسعات وسعة المقبوضات والإنفاق والمكافئة وأفعاله [82أ-ب] أفعال أعيان العلماء من مكارم الأخلاق والميل إلى المذاكرة واستجلاب الأعيان من الناس والعناية بمعاني الأمور وبالجملة فهو أنبل المتأخرين وأحد فحول الرجال، وممن يعتقد الإجماع على جلالة مقداره ورئاسته.
[مولده ونشأته]
صفحة ٣١٧