1048

وكان الناصر قد جمع القضاة لما بلغه خبر القبض عليه قبل وصولهم، وخاطبهم من أجل دعوته وعن حكم الباغي، فتكلم الجميع بصحة بغيه وأراد الناصر أن يحكموا بقتله، وأمرهم أن يجعلوا مرسوما بخطوطهم وسجلا متضمنا للحكم عليه بذلك، ففعلوا جميعا إلا القاضي علي بن أحمد السماوي فإنه لم يكتب ولا وضع علامته بل اعتذر ولما وصل صاحب الترجمة في أغلال الحديد هو ومن بايعه كالمولى أحمد بن المؤيد وأخيه إبراهيم بن المؤيد، وجماعة من القضاة بني أبي الرجال أبرز الإمام الخط وقرأ على رؤوس الأشهاد أعلاما لهم أن الحكام قد أفتوا بقتلهم وأنهم قد سعوا في الأرض فسادا، وأراد الإمام أن القضاة يتكلمون بألسنتهم ما أملوه في الخط وكان القضاة إنما فعلوا ذلك في صورة التهديد والزجر والناصر كان مجدا ومصمما على العمل بمقتضاه والعقاب الشديد، فلما استنطقهم [80أ-ب] ولم ينطقوا بحرف خشية من الله تعالى في مثل ذلك المقام وحياء من الداعي لمعرفتهم بقدره وجلالته وصلاحه فعاتب الناصر الحكام وقال أليس هذه خطوطكم وعلاماتكم إلا السماوي فإنه زيف كلام أولئك القضاة ودحضه بالحجج البالغة المرتضاة رحمه الله أن الداعي أحق بالإمامة وأن سيرة الإمام الناصر غير مرضية، وخرج من عهدة ما أمرنا ثم أمر بإخراج الداعي ومن معه وهم في الأغلال إلى منزل خال عن كل شيء حتى ينظر نظره وبقوا في ذلك المنزل إلى اليوم الثاني بغير طعام ولا شراب ولا ماء ولا تراب، وصلوا الصلاة مؤتمين بالداعي على الحالة ثم أمر الناصر [344ج] أن يفرقوا في الحبوس، فسجن صاحب الترجمة وجماعة معه في حصن حب وأولاد المؤيد وجماعة أخرون في قاهرة تعز، وكانت تلك الحادثة عظيمة وموقعها خطير.

صفحة ٣١٠