مروج الذهب ومعادن الجوهر
قال: وكنت يوما عنده فإذا رسول عبد الله قد أتى، ومعه أطباق خيزران عليها مناديل، ومعه كتاب، فجعل الرشيد يقرأ الكتاب ويقول: بره الله ووصله فقلت: يا أمير المؤمنين من هذا الشي أطنبت في شكره حتى نشركك في جميل شكره؟ قال: هذا عبد الله بن صالح، ثم كشف المنديل، فإذا أطباق بعضها فوق بعض: في أحدها فستق، وفي الأخر بندق، إلى غير ذلك من الفاكهة، فقلت: يا أمير المؤمنين ما في هذا البر ما يستحق به هذا الدعاء، إلا أن يكون في الكتاب شيء قد خفي علي، فنبذه إلي، فإذا فيه: دخلت يا أمير المؤمنين بستانا لي في داري عمرته بنعمتك، وقد أينعت فواكهه، فأخذت من كل شيء، وصيرته في أطباق قضبان ووجهته إلى أمير المؤمنين ليصل إلي من بركة دعائه مثل ما وصل إلي من نوافل بره، قلت: ولا والله ما في هذا أيضا ما يستحق به هذا، فقال: يا غبي أما ترى كيف كنى بالقضبان عن الخيزران إعظاما لأمنا رحمها الله تعالى.
رجل يتعرض للرشيد بقصة فيثيبه بأربعة ألاف دينار
ويروي إنه وقف رجل من بني أمية للرشيد على الطريق وبيده كتاب كالقصة، فإذا فيه أربعة أبيات، وهي:
يا أمين الله ، إني قائل ... قول في لب وصدق وحسب
لكم الفضل علينا، ولنا ... بكم الفضل على كل العرب
عبد شمس كان يتلو هاشما ... وهما بعد لأم ولأب
فصل الأرحام منا، إنما ... عبد شمس عم عبد المطلب
فاستحسن ذلك الرشيد فأمر له لكل بيت بألف دينار، وقال: لو زدتنا لزدناك.
السكر أطيب أو المشان
وكان الرشيد ذات يوم وأبو يوسف القاضي وعبد الوهاب الكوفي في مجلسه، فتذاكروا الرطب، فقال أبو يوسف: السكر أطيب من المشان، وقال عبد الوهاب: المشان أطيب، فقال الرشيد، ليحضر الطعام، ودعا بعدة من بني هاشم كانوا هناك، فاقبلوا جميعا على السكر، وتركوا المشان، فقال الرشيد: قضوا عليك يا أبا عبد الرحمن وهم لا يعلمون، فقال أبو عبد الرحمن: إني لم أر مشان قط أردأ من هذا، فقال له أبو يوسف: هكذا هما إذا اجتمعا.
ودخل عبد الملك بن صالح على الرشيد، فقال له الحاجب: إن أمير المؤمنين قد أصيب في هذه الليلة بولد وولد له ولد، فعزوهن، فلما مثل قال: يا أمير المؤمنين، سرك الله فيما ساءك، وجعل هذه لهذه ثوابا للصابر وجزاء للشاكر.
علة الرشيد
ولما اشتدت علة الرشيد وصار إلى طوس سنة ثلاث وتسعين ومائة هون عليه الأطباء علته، فأرسل إلى متطبب فارسي كان هناك، فأراه ماءه مع قوارير شتى، فلما إنتهى إلى قارورته قال: عرفوا صاحب هذا الماء إنه هالك فليوص فإنه لا براء له من هذه العلة، فبكى الرشيد وجعل يردد هذين البيتين:
إن الطبيب بطبه ودوائه ... لايستطيع دفاع محذور القضا
ماللطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبرىء مثله فيما مضى؟
واشتد ضعفه، وأرجف الناس بموته، فدعا بحمار ليركبه، فلما صار عليه سقطت فخذاه فلم يثبت على السرج، فقال: إنزلوني صدق المرجفون، ثم دعا بأكفان فاختار منها ما أرادا، وأمر بحفر قبر، فلما اطلع فيه قال: ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه ثم دعا بأخي رافع، فقال: أزعجتموني حتى تجشمت هذه الأسفار مع علتي وضعفي، وكان أخو رافع ابن الليث ممن خرج عليه، قال : لأقتلنك قتلة ما قتل مثلها أحد قبلك، ثم أمر ففصل عضوا عضوا، واستأمن من رافع بعد ذلك على المأمون، وقد ذكرنا خبره في غير هذا الكتاب، ثم دعا من كان بعسكره من بني هاشم فقال: إن كل مخلوق ميت، وكل جديد بال، وقد نزل بي ما ترون وأنا أوصيكم بثلاث: الحفظ لأمانتكم، والنصيحة لأئمتكم، واجتماع كلمتكم وانظروا محمدا وعبد الله فمن بغى منهما على صاحبه فردوه عن بغيه وقبحوا له بغيه ونكثه، وأقطع في ذلك اليوم أموالا كثيرة وضياعا ورباعا.
شعر لأبي العتاهية يبكي الرشيد
صفحة ١١