472

قال المسعودي: ولابن دأب مع الهادي أخبار حسان يطول ذكرها، ويتسع علينا شرحها، ولا يتأتى لنا أيراد ذلك في هذا الكتاب، لاشتراطنا فيه على أنفسنا الإختصار والإيجاز بحذف الاسإنيد وترك إعادة الألفاظ. ولأهل البصرة وأهل الكوفة ومن شرب من دجلة مناظرات كثيرة في مياههم ومنافعها ومضارها، منها ما عاب به أهل الكوفة أهل البصرة، فقالوا: ماؤكم كدر زهك زفر، فقال لهم أهل البصرة: من أين يأتي ماءنا الكدروماء البحر صاف وماء البطيحة صاف، وهما يمتزجان وسط بلادنا، قال الكوفيون: من طباع الماء العذب الصافي إذا خالط ماء البحر صارا جميعا إلى الكدورة، وقد يروق الإنسان ماء أربعين ليلة، فإن جعل شه شيئا في قارورة أ زبد وتكدر.

وقد افتخر أهل الكوفة بمائهم - الذي هو الفرات - على ماء دجلة، - هو ماء البصرة! فقالوا: ماؤنا أعذب المياه وأغذاها، وهو أصح للاجسام من ماء دجلة، والفرات خير من النيل، فأما دجلة فأن ماءها يقطع شهوة لرجال، ويذهب بصهيل الخيل، ولا يذهب بصهيلها إلا مع ذهاب نشاطها، ونقصان قواها، وان لم يتدسم النازلون عليها اصابهم قحول في عظامهم ويبس في جلودهم، وسائر من نزل من العرب على دجلة لا يكادون يسقون خيلهم منها ويسقونها من الأبار والركاء، لاختلاط مياهها - واختلاف أنواعها إذ ليست بماء واحد لمصب الأنهار إليها كالزابين غيرهما، وسبيل المشروب غير المأكول، لان اختلاف الماكل غير ضار، واختلاف الأشربة كالخمر والنبيذ وغيره من الأنبذة إذا شربه الإنسان كان ضارا، وإذا كان فضيلة مائنا على دجلة فما ظنك بفضيلته على ماء البصرة هو يختلط بماء البحر، ومن الماء المستنقع في أصول القصب الهروي،وقد قال الله تعإلى: " هذا عذب فرات، وهذا ملح أجاج " والفرات أعذب المياه عذوبة، وإنما اشتق الفرات لكل ماء عذب من ماء الكوفة.

وقد طعن أيضا أهل الكوفة على أهل البصرة، فقالوا: البصرة أسرع الأرض خرابا، وأخبثها ترابا، وأبعدها من السماء، وأسرعها غرقا.

وقد أجاب أهل البصرة أهل الكوفة عما سألوا عنه وعابوهم به، وكذلك من شرب من دجلة، وعابوا أهل الكوفة، وذكروا عيوبها، وما يؤثر عن سكانها من الشح على المأكول والمشروب والغدر وقلة الوفاء.

وقد أتينا على وصف جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان وكذلك أتينا على خواص الأرض والمياه، وفصول السنة، وانقسام الآقاليم، وما لحق بهذه المعاني، فيما سلف من كتبنا على الشرح والإيضاح، وذكرنا في هذا الكتاب من جميع ذلك لمعا.

فلنزجع الآن إلى أخبار الهادي ونعدل عن هذا السانح.

رغبة الهادي في خلع الرشيد من ولاية العهد

صفحة ٤٩٦