425

ونهض عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فأخذ ثوبا جلدا فدفعه إلى أربعة من غلمانه، ثم جعل يدخل دور بني هاشم، ويقول: يا بني هاشم، هذا الكميت قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم، وعرض دمه لبني أمية، فأثيبوه بما قدرتم، فيطرح الرجل في الثوب ما قدر عليه من دنانير ودراهم، وأعلم النساء بذلك، فكانت المرأة تبعث ما أمكنها، حتى إنها لتخلع الحلي عن جسدها، فاجتمع من الدنانير والدراهم ما قيمته مائة آلف درهم، فجاء بها إلى الكميت، فقال: يا أبا المستهل، أتيناك بجهد المقل، ونحن في دولة عدونا، وقد جمعنا لك هذا المال وفيه حلى النساء كما ترى، فاستعن به على دهرك، فقال: بأبي أنت وآمي، قد أكثرتم وأطيبتم، وما أردت بمدحي إياكم إلا الله ورسوله، ولم أك لآخذ لذلك ثمنا من الدنيا، فاردده إلى أهله، فجهد به عبد الله أن يقبله بكل حيلة، فأبى، فقال: إن أبيت آن تقبل فإني رأيت أن تقول شيئا تغضب به بين الناس، لعل فتنة تحدث فيخرج من بين أصابعها بعض ما تحب، فابتدأ الكميت وقال قصيدته التي يذكر فيها مناقب قومه من مضر بن نزار بن معد وربيعة بن نزار وإياد وأنمار ابني نزار، ويكثر فيها من تفضيلهم، ويطنب في وصفهم، وأنهم أفضل من قحطان، فغضب بها بين اليمانية والنزارية فيما ذكرناه وهي قصيدته التي أولها:

ألا حييت عنا يا مدينا ... وهل ناس نقول مسلمينا

إلى أن انتهى إلى قوله تصريحا وتعريضا باليمن فيما كان من أمر الحبشة وغيرهم فيها، وهو قوله:

لنا قمر السماء وكل نجم ... تشير إليه أيدي المهتدين

وجدت الله إذ سمى نزارا ... وأسكنهم بمكة قاطنينا

لنا جعل المكارم خالصات ... وللناس القفا ولنا الجبينا

وما ضربت هجائن من نزار ... فوالج من فحول الأعجمينا

وماحملوا الحمير على عتاق ... مطهرة فيلفوا مبلغينا

وما وجدت نساء بني نزار ... حلائل أسودين وأحمرينا

دعبل الخزاعي يرد على الكميت

وقد نقض دعبل بن علي الخزاعي هذه القصيدة على الكميت وغيرها، وذكر مناقب اليمن وفضائلها من ملوكها وغيرها، وصرح وعرض بغيرهم، كما فعل الكميت، وذلك في قصيدته التي أولها:

أفيقي من ملامك يا معينا ... كفاك اللوم مر الأربعينا

ألم تحزنك آحداث الليالي ... يشيبن الذوائب والقرونا

أحيى الغر من سروات قومي ... لقد حييت عنا يا مدينا؟؟؟

فإن يك آل إسرائيل منكم ... وكنتم بالأعاجم فاخرينا

فلا تنس الخنازير اللواتي ... مسخن مع القرود الخاسئينا

بأيلة والخليج لهم رسوم ... " وآثار قدمن وما محينا

وما طلب الكميت طلاب وتر ... ولكنا لنصرتنا هجينا

لقد علمت نزار أن قومي ... إلى نصر النبوة فاخرينا

كانت العصبية من دواعي زوال ملك بني أمية

وهي طويلة. ونمى قول الكميت في النزارية واليمإنية، وافتخرت نزار على اليمن، وافتخرت اليمن على نزار، وأدلى كل فريق بماله من المناقب، وتحزبت الناس، وثارت العصبية في البدو والحضر فنتج بذلك أمر مروان بن محمد الجعدي، وتعصبه لقومه من نزار على اليمن، وانحراف اليمن عنه إلى الدعوة العباسية، وتغلغل الأمر إلى انتقال الدولة عن بني أمية، ثم ما تلا ذلك من قصة معن بن زائدة باليمن، وقتله أهلها تعصبا لقومه من ربيعة وغيرها من نزار، وقطعه الحلف الذي كان بين اليمن وربيعة في القدم، وفعل عقبة بن سالم بعمان والبحرين، وقتله عبد القيس وغيرهم من ربيعة وسائر نزار ممن بأرض البحرين وعمان كيادا لمعن، وتعصبا من عقبة بن سالم لقومه من قحطان، وغير ذلك مما تقدم وتأخرمما كان بين نزار وقحطان.

ذكرأيام مروان بن محمد بن مروان ابن الحكم وهو الجعدي

صفحة ٤٤٨