412

وهو شعر قديم يقال: إنه للفند الزماني في حرب البسوس، فقال لحبابة: غنيني به بحياتي، فقالت: يا أمير المؤمنين، هذا شعر لا أعرف أحدا يغني به إلا الأحول المكي، فقال: نعم، قد كنت سمعت ابن عائشة يعمل فيه ويترك، قالت: إنما أخذه عن فلان بن أبي لهب، وكان حسن الأداء، فوجه يزيد إلى صاحب مكة: إذا أتاك كتابي هذا فادفع إلى فلان ابن أبي لهب ألف دينار لنفقة طريقه واحمله على ما شاء من دواب البريد، ففعل، فلما قدم عليه قال: غنني بشعر الفند، فغناه فأجاد وأحسن، وقال: أعده، فأعاده فأجاد وأحسن وأطرب يزيد، فقال له: عمن أخذت هذا الغناء. فقال: يا أمير المؤمنين، أخذته عن أبي، وأخذه أبي عن أبيه، فقال: لو لم ترث إلا هذا الصوت لكان أبو لهب قد ورثكم خيرا كثيرا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا لهب مات كافرا مؤذيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قد أعلم ما تقول، ولكني دخلتني له رقة إذ كان مجيدا للغناء، ووصله وكساه ورده إلى بلده مكرما. وكتب في عهد عمر إلى يزيد: إذا أمكنتك القدرة بالعزة فاذكر قدرة الله عليك، وقيل: إن هذا الكلام كتب به عمر إلى بعض عماله، وفيه زيادة - على ما ذكره الزبير بن بكار - وهي: إذا أمكنتك القدرة من ظلم العباد فاذكر قدرة الله عليك بما تأتي إليهم، وأعلم أنك لا تأتي إليهم أمرا إلا كان زائلا عنهم باقيا عليك، وأن الله يأخذ للمظلوم من الظالم، ومهما ظلمت من أحد فلا تظلمن من لا ينتصرعليك إلا بالله تعالى.

موت حبابة وجزع يزيد عليها

واعتلت حبابة فأقام يزيد أياما لا يظهر للناس، ثم ماتت، فأقام أياما لا يدفنها جزعا عليها حتى جيفت، فقيل: إن الناس يتحدثون بجزعك، وإن الخلافة تجل عن ذلك، فدفنها وأقام على قبرها، فقال:

فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو النفس لا بالتجلد

ثم أقام بعدها أياما قلائل ومات.

حدث أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسحاق الموصلي، عن أبي الحويرث الثقفي قال: لما ماتت حبابة حزن عليها يزيد بن عبد الملك حزنا شديدا، وضم إليه جويرية لها كانت تحدثها فكانت تخدمه، فتمثلت الجارية يوما:

كفى حزنا للهائم الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة فقرا

فبكى حتى كاد أن يموت، ولم تزل تلك الجويرية معه يتذكر بها حبابة حتى مات.

وكان يزيد ذات يوم في مجلسه وقد غنته حبابة وسلامة فطرب طربا شديدا ثم قال: أريد أن أطير، فقالت له حبابة: يا مولاي، فعلى من تدع الأمة وتدعنا.

وكان أبو حمزة الخارجي إذا ذكر بني مروان وعابهم ذكر يزيد بن عبد الملك فقال: أقعد حبابة عن يمينه وسلامة عن يساره، ثم قال: أريد أن أطير، فطار إلى لعنة الله وأليم عذابه.

يزيد بن المهلب يخرج على يزيد بن عبد الملك

قال المسعودي: وقد كان يزيد بن المهلب بن أبي صفرة هرب من سجن عمر بن عبد العزيز، حين أثقل، وذلك في سنة إحدى ومائة، وصار إلى البصرة وعليها عدي بن الفزاري، فأخذه يزيد بن المهلب، فأوثقه ثم خرج يريد الكوفة مخالفا على يزيد بن عبد الملك، وحشدت له الأزد أحلافها، وانحاز إليه أهله وخاصته، وعظم أمره، واشتدت شوكته فبعث إليه يزيد أخاه مسلمة بن عبد الملك، وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك، في جيش عظيم، فلما شارفاه رأى يزيد بن المهلب في عسكره اضطرابا، فقال: ما هذا الاضطراب. قيل: جاء مسلمة والعباس قال: فوالله ما مسلمة إلا جرادة صفراء، وما العباس إلا نسطوس بن سطوس، وما أهل الشام إلا طغام قد حشدوا ما بين فلاح وزراع ودباغ وسفلة، فأعيروني أكفكم ساعة واحدة تصفعون بها خراطيمهم، فما هي لا غدوة أو روحة حتى يحكم الله بيننا وبين القوم الظالمين، علي بفرسي، فأتي بفرس أبلق، فركب غير متسلح، فالتقى الجيشان اقتتلوا قتالا شديدا، وولى أصحاب يزيد عنه، فقتل يزيد في المعركة، وصبر وإخوته أنفسهم، فقتلوا جميعا، ففي ذلك يقول الشاعر:

كل القبائل بايعوك على الذي ... تدعو إليه طائعين وساروا

حتى إذا حضرا لوغى وجعلتهم ... نصب الأسنة أسلموك وطاروا

إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عارا عليك وبعض قتل عار

فلما ورد الخبر على يزيد بن عبد الملك استبشر، وأخذ الشعراء جميعا يهجون آل المهلب، إلا كثيرا، فإنه امتنع من ذلك فقال له يزيد: حركتك الرحم يا أبا صخر، لأنهم يمانيون، ففي ذلك يقول جرير يمدح يزيد، ويهجو آل المهلب:

يا رب قوم وقوم حاسدين لكم ... مافيهم بدل منكم ولا حلف

آل المهلب جز الله دابرهم ... أمسوا رمادا فلا أصل ولا طرف

ما نالت الأزد من دعوى مضلهم ... إلا المعاصم، والأعناق تختطف

والأزد قد جعلوا المنتوف قائدهم ... فقتلتهم جنود الله، وانتسفوا

وهي طويلة، وفي ذلك يقول جرير أيضا ليزيد من كلمة:

لقد تركت فلا نعدمك إذ كفروا ... آل المهلب عظما غير مجبور

يا ابن المهلب، إن الناس قد علموا ... أن الخلافة للشم المغاوير

صفحة ٤٣٥