مروج الذهب ومعادن الجوهر
مهيب مفيد للنوال معود ... بفعل الندى والمكرمات مجرب وفي أبيات، فقال له ابن عباس: أنت يا ابن صوحان باقر علم العرب.
ومن أخبار صعصعة ما حدث به أبو جعفر محمد بن حبيب الهاشمي، عن أبي الهيثم يزيد بن رجاء الغنوي، قال: أخبرني رجل من بني فزارة ثم من بني عدي، قال: وقف رجل من بني فزارة على صعصعة، فأسمعه كلاما منه: بسطت لسانك يا ابن صوحان على الناس فتهيبوك، أما لئن شئت لأكونن لك لصاقا، فلا تنطق إلا حددت لسانك بأذرب من ظبة السيف، بعضب قوي، ولسان علي، ثم لا يكون لك في ذلك حل ولا ترحال، فقال صعصعة: لو أجد غرضا منك لرميت، بل أرى شبحا ولا أرى مثالا، إلا مسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، أما لو كنت كفؤا لرميت حصائلك بأذرب من ذلك السنان، ولرشقتك بنبال تردعك عن النضال، ولخطمتك بخطام يخزم منك موضع الزمام، فاتصل الكلام بابن عباس فاستضحك من الفزاري، وقال: أما لو كلف أخو فزارة نفسه نقل الصخور من جبال شمام إلى الهضام، لكان أهون عليه من منازعة أخي عبد القيس، خاب أبوه، ما أجهله!! يستجهل أخا عبد القيس، وقواه المريرة، ثم تمثل:
صبت عليك ولم تنصب من أمم ... إن الشقاء على الأشقين مصبوب
أبو أيوب وصعصعة
وحدث المبرد، عن الرياشي، عن ربيعة بن عبد الله النميري، قال: أخبرني رجل من الأزد، قال: نظرت إلى أبي أيوب الأنصاري، في يوم النهروان، وقد علا عبد الله بن وهب الراسي، فضربه ضربة على كتفه، فأبان يده، وقال: بؤبها إلى النار يا مارق، فقال عبد الله: ستعلم أينا أولى بها صليا، قال: وأبيك إني لأعلم؟ إذ أقبل صعصعة بن صوحان فوقف وقال: أولى بها والله صليا من ضل في الدنيا عميا، وصار إلى الآخرة شقيا، أبعدك الله! وأنزحك! أما والله: لقد أنذرتك هذه الصرعة بالأمس، فأبيت إلا نكوصا على عقبيك، فذق يا مارق وبال أمرك، وشرك أبا أيوب في قتله: ضربه ضربة بالسيف أبان بها رجله، وأدركه بأخرى في بطنه، وقال: لقد صرت إلى نازلا تطفأ، ولا يبوخ سعيرها، كم احتزا رأسه، وأتيا به عليا، فقالا: هذا رأس الفاسق، الناكث، المارق: عبد الله بن وهب، فنظر إليه فقطب، وقال: شاه هذا الوجه! حتى خيل إلينا أنه يبكي، ثم قال: قد كان أخو راسب حافظا لكتاب الله، تاركا لحدود الله، ثم قال لهما: اطلبا لي ذا الثدية، فطلب فلم يوجد، فرجعا إليه وقالا: ما أصبنا شيئا، فقال: والله لقد قتل في يومه هذا، وما كذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا كذبت عليه، قوموا بجمعكم فاطلبوه، فقامت جماعة من أصحابه، فتفرقوا في القتلى، فأصابوه في دهاس من الأرض، فوقه زهاء مائة قتيل، فآخرجوه يجر برجله، ثم أتى به علي، فقال: اشهدوا أنه ذو الثدية، وقد ذكرنا أخبار ذي الثدية فيما سلف من هذا الكتاب.
من قول علي في ربيعة
ولعلي في ربيعة كلام كثير يمدحهم فيه، ويرثيهم شعرا ومنثورا، وقد كانوا أنصاره وأعوانه، والركن المنيع من أركانه، فمن بعض ذلك قوله يوم صفين:
لمن راية سوداء يخفق ظلها ... إذا قيل قدمهاحضين تقدما
فيوردها في الصف حتى يعلها ... حياض المنايا تقطر الموت والدما
جزى الله قوما قاتلوا في لقائه ... لدى الموت قدما ما أعز وأكرما
وأطيب أخبارا، وأكرم شيمة، ... إذا كان أصوات الرجال تغمغمما
ربيعة أعني، إنهم أهل نجدة ... وبأس إذا لاقوا خميسا عرمرما
معاوية وجميل بن كعب
وذكر المدائني أن معاوية أسر جميل بن كعب الثعلبي - وكان من سادات ربيعة وشيعة علي وأنصاره - فلما وقف بين يديه قال: الحمد لله الذي أمكنني منك، ألست القائل يوم الجمل:
أصبحت الأمة في أمرعجب ... والملك مجموع غدا لمن غلب
صفحة ٣٦٩