مروج الذهب ومعادن الجوهر
وقد كان ببغداد رجل في أيام هارون الرشيد متطبب يطبب العامة بصفاته وكان دهريا يظهر أنه من أهل السنة والجماعة ويلعن أهل البدع ويعرف بالسني تنقاد إليه العامة؟ فكان يجتمع إليه في كل يوم بقوارير الماء خلق من الناس، فإذا اجتمعوا وثب قائما على قدميه فقال لهم: معاشر المسلمين، قلتم لا ضار ولا نافع إلا الله فلأي شيء مصيركم إلي تسألونني عن مضاركم ومنافعكم؟ ألجؤا إلى ربكم وتوكلوا على بارئكم حتى يكون فعلكم مثل قولكم، فيقبل بعضهم على بعض فيقولون: إي والله قد صدقنا، فكم من مريض لم يعالج حتى مات، ومنهم من كان يتركه حتى يسكن ثم يريه الماء فيصف له الدواء، فيقول: إيمانك ضعيف، ولولا ذلك لتوكلت على الله كما أمرضك فهو يبرئك، فكان يقتل بقوله هذا خلقا كثيرا لتزهيده إياهم في معالجة مرضاهم.
من أخلاق العامة
ومن أخلاق العامة أن يسودوا غير السيد، ويفضلوا غير الفضل، ويقولوا بعلم غير العالم، وهم أتباع من سبق إليهم من غير تمييز بين، الفاضل والمفضول، والفضل والنقصان، ولامعرفة للحق من الباطل عندهم، ثم انظر هل ترى إذا اعتبرت ما ذكرنا ونظرت في مجالس العلماء هل تشاهدها إلا مشحونة بالخاصة من أولي التمييز والمروءة والحجا، وتفقد العامة في احتشادها وجموعها، فلا تراهم الدهر إلا مرقلين إلى، قائد دب، وضارب بدف على سياسة قرد، أو متشوقين إلى اللهو واللعب، أو مختلفين إلى مشعبذ متنمس مخرق، أو مستمعين إلى قاص كذاب، أو مجتمعين حول مضروب، أو وقوفا عند مصلوب؟ ينعق بهم فيتبعون؟ ويصاح بهم فلا يرتدعون، لا ينكرون منكرا، ولا يعرفون معرفا، ولا يبالون أن يلحقوا البر بالفاجر، والمؤمن بالكافر، وقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم حيث يقول: " الناس إثنان: عالم، ومتعلم، وما عدا ذلك همج رعاع لا يعبأ الله بهم " . وكذلك ذكر عن علي وقد سئل عن العامة، فقال همج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، وأجمع الناس في تسميتهم على أنهم غوغاء، وهم الذين إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا، ثم تدبر تفرقهم في أحوالهم ومذاهبهم، فانظر إلى إجماع ملئهم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقام يدعو الخلق إلى اثنتين وعشرين سنة وهو ينزل عليه الوحي ويمليه على أصحابه، فيكتبونه ويدونونه ويلتقطونه لفظة لفظة، وكان معاوية في هذه المدة بحيث علم الله، ثم كتب له صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهور، فأشادوا بذكره، ورفعوا من منزلته، بأن جعلوه كاتبا للوحي، وعظموه بهذه الكلمة، وأضافوه إليها، وسلبوها عن غيره، وأسقطوا ذكر سواه، وأصل ذلك العادة والألف وما ولدوا عليه، وما نشؤا فيه، فألفوا وقت التحصيل والبلوغ، وقد عملت العادة عملها، وبلغت مبالغها، وفي العادة قالت الشعراء وتكلم أهل الدراية والأدباء، قال الشاعر:
لاتهني بعد إذ أكرمتني ... فشديد عادة منتزعة
وقال آخر معاتبا لصاحبه:
ولكن فطام النفس أثقل محملا ... من الصخره الصماء. حين ترومها
وقد قالت حكماء العرب: العادة أملك بالأرب، وقالت حكماء العجم: العادة هي الطبيعة الثانية، وقد صنف أبو عقال الكاتب كتابا في أخلاق العوام يصف فيه أخلاقهم وشيمهم ومخاطباتهم، وسماه بالملهي.
ولولا إني أكره التطويل والخروج عما قصدنا إليه في هذا الكتاب من الإيجاز لشرحت من نوادر العامة وأخلاقها، وطرائف أفعالها عجائب، ولذكرت مراتب الناس في أخلاقهم، وتصرفهم في أحوالها.
فلنرجع الآن إلى أخبار معاوية وسياسته، وما أوسع الناس من أخلاقه، وما أفاض عليهم من بره وعطائه، وشملهم من إحسانه، مما اجتذب به القلوب، واستدعى به النفوس، حتى آثروه على الأصل والقرابات.
عقيل بن أبي طالب ومعاوية
صفحة ٣٦٣