326

وحدث محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن حميد الرازي، عن علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن الفضل بن عباس بن ربيعة، قال: وفد عبد الله بن العباس على معاوية، قال: فوالله إني لفي المسجد إذ كبر معاوية في الخضراء فكبر أهل الخضراء، ثم كبر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء، فخرجت فاختة بنت قرظ بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف من خوخة لها، فقالت: سرك الله يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي بلغك فسررت به؟ قال: موت الحسن بن علي، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم بكت وقالت: مات سيد المسلمين، وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال معاوية: نعما والله ما فعلت، إنه كان كذلك أهلا أن تبكي عليه، ثم بلغ الخبر ابن عباس رضي الله عنهما، فراح فدخل على معاوية، قال: علمت يا ابن عباس أن الحسن توفي، قال: ألذلك كبرت؟ قال: نعم، قال: أما والله ما موته بالذي يؤخر أجلك، ولا حفرته بسادة حفرتك، ولئن أصبنا به قبله بسيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين، ثم بعده بسيد الأوصياء، فجبر الله تلك المصيبة، ورفع تلك العثرة، فقال: ويحك يا ابن عباس! ما كلمتك قط إلا وجدتك معدا. وفي نسخة أنه لما صالح الحسن معاوية كبر معاوية في الخضراء، وكبر أهل الخضراء، ثم كبر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء، فخرجت فاختة بنت قرضة من خوخة لها، فقالت: سرك الله يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي بلغك. قال: أتاني البشير بصلح الحسن وانقياده، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن إبني هذا سيد أهل الجنة، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين فالحمد لله الذي جعل فئتي إحدى الفئتين .

ولما صالح الحسن معاوية لما ناله من أهل الكوفة وما نزل به أشار عمرو بن العاص على معاوية - وذلك بالكوفة - أن يأمر الحسن فيقوم فيخطب الناس، فكره ذلك معاوية، وقال: ما أريد أن يخطب بالناس، قال عمرو: لكني أريد أن يبدو عيه في الناس بأنه يتكلم في أمور لا يدري ما هي، ولم يزل به حتى أطاعه؟ فخرج معاوية فخطب الناس، وأمر رجلا أن ينادي بالحسن بن علي، فقام إليه، فقال: قم يا حسن فكلم الناس، فقام فتشهد في بديهته، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول، قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : " قل إن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون، إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " ثم قال في كلامه ذلك: يا أهل الكوفة، لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت: مقتلكم لأبي، وسلبكم ثقلي، وطعنكم في بطني، وإني قد بايعت معاوية، فاسمعوا له وأطيعوا.

وقد كان أهل الكوفة انتهبوا سرادق الحسن ورحله، وطعنوا بالخنجر في جوفه، فلما تيقن ما نزل به انقاد إلى الصلح.

خطبة للحسن

وقد كان علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه اعتل، فأمر ابنه الحسن رضي الله عنه أن يصلى بالناس يوم الجمعة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله لم يبعث نبيا إلا اختار له نقيبا ورهطا وبيتا، فو الذي بعث محمدا بالحق نبيا لا ينتقص من حقنا أهل البيت أحد إلا نقصه الله من عمله مثله، ولا تكون علينا دولة إلا وتكون لنا العاقبة، ولتعلمن نبأه بعد حين.

خطبة أخرى

ومن خطب الحسن رضي الله عنه في أيامه في بعض مقاماته أنه قال: نحن حزب الله المفلحون، وعترة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيبون، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني كتاب الله، فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، والمعول عليه في كل شيء، لا يخطئنا تأويله، بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا، فإن طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله والرسول وأولي الأمر مقرونة فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول... ولو رعوه إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم وأحذركم الإصغاء لهتاف الشيطان إنه لكم عدو مبين، فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، فلما تراءت الفئتان نكص على عقيبه وقال: إني بريء منكم إني أرى مالا ترون " فتلقون للرماح أزرا، وللسيوف جزرا، وللعمد خطأ، وللسهام غرضا، ثم لا ينفع. نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أوكسبت في إيمانها خيرا، والله أعلم.

ذكر خلافة معاوية بن أبي سفيان

وبويع معاوية في شوال سنة إحدى وأربعين، ببيت المقدس، فكانت أيامه تسع عشرة سنة وثمانية أشهر، وتوفي في رجب سنة إحدى وستين، وله ثمانون سنة، ودفن بدمشق بباب الصغير، وقبره يزار إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - وعليه بيت مبني يفتح كل يوم اثنين وخميس.

ذكر لمع من أخباره وسيره ونوادر من بعض أفعاله

مقتل حجر الكندي

وفي سنة ثلاث وخمسين قتل معاوية حجربن عدي الكندي، وهو أولى من قتلصبرا في الإسلام: حملة زياد من الكوفة ومعه تسعة نفر من أصحابه من أهل الكوفة وأربعة من غيرها، فلما صار على أميال من الكوفة يراد به دمشق أنشأت ابنته تقول، ولا عقب له من غيرها:

ترفع أيها القمر المنير ... لعلك أن ترى حجرا يسير

صفحة ٣٤٨