489

المقفى الكبير

محقق

محمد اليعلاوي

الناشر

دار الغرب الاسلامي

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م

مكان النشر

بيروت - لبنان

ثم خلا بهم. وكان المعتصم لا يعلم [٤ أ] ويظن إلا أنّ القول قولهم (١).
ثمّ نحّاهم وردّني إليه وقال: ويحك يا أحمد، أجبني حتّى أطلق عنك بيدي، إني والله لأشفق عليك كشفقتي على هارون ابني. فرددت عليه نحوا ممّاكنت أردّ قبل ذلك فغضب ولعن وقال:
لقد طمعت فيك أن تجيبني، خذوه واسحبوه وخلّعوه! قال أبو عبد الله: وكان معي شعر من شعر [رسول الله] ﷺ أعطانيه الفضل بن الربيع، وكان في صرّة من قميصي. فقالوا: انزعوا منه قمصيه ولا تخرقوه. ثمّ قال: ما هذا في ثوبك؟
فقالوا لي: ما هذا في ثوبك؟ قلت: هذا شعر من شعره ﷺ. قال صالح: قال أبي: فظننت أنّه إنّما [درئ] (٢) عن قميصي الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه. قال أبو عبد الله: وجعلت بين العقابين (٣) فقلت: يا أمير المؤمنين إنّ رسول الله ﷺ قال: لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله إلا بإحدى [ثلاث]، وقال (٤) رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصمت دماؤهم وأموالهم، فبم تستحلّ دمي ولم آت شيئا من هذا يا أمير المؤمنين؟ أذكر وقوفك بين يدي الله ﷿ كوقوفي بين يديك، يا أمير المؤمنين، راقب الله! فلمّا رأى المعتصم ثبوت أبي عبد الله وتصميمه
[...] الله فخشي ابن أبي دؤاد من رأفته عليه فقال: يا أمير المؤمنين، إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله وأنّه غلب خليفتين، فهاجه ذلك وطلب كرسيّا جلس عليه، وقام ابن أبي دؤاد وأصحابه على رأسه. ثم قال للجلّادين: أروني أسياطكم! فنظر إليها، ثم قال:
ائتوني بغيرها! فأتوه بغيرها. ثم قال: تقدّموا! فيتقدم الرجل منهم فيضربني سوطين فيقول المعتصم: شدّ، قطع الله يدك! ثم يتنحّى، ثم يتقدم الآخر فيضربني سوطين، وهو في كلّ ذلك يقول: شدّوا، قطع الله أيديكم! فلمّا بلغ تسعة عشر سوطا قام الخليفة إليّ ثم قال: يا أحمد، علام تقتل نفسك؟ والله إنّي عليك شفيق. فجعل عجيف ينخسني بقائم سيفه وقال: تريد أن تغلب هؤلاء كلّهم؟ وجعل بعضهم يقول: ويلك! الخليفة على رأسك قائم! وبعضهم يقول: يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي، أقتله! وجعلوا يقولون:
يا أمير المؤمنين، أنت صائم، وأنت في الشمس قائم. فقال لي: ويحك يا أحمد، ما تقول؟
فأقول: أعطوني شيئا من كتاب الله ﷿ أو سنّة رسوله ﷺ حتى أقول به. (قال): ثم رجع فجلس، ثم قال للجلّاد: تقدّم، أوجع، قطع الله يدك! ثم قام الثانية فقال: يا أحمد، أجبني! فجعلوا يقولون لي: ويلك! إمامك أمير المؤمنين قائم على رأسك! فقال المعتصم: أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتّى أطلق عنك بيدي! فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنّة رسوله ﷺ حتى أقول به. ثم رجع فجلس، فقال للجلّادين: تقدّموا! فيتقدّم الجلّاد فيضربني سوطين ويتنحّى وهو في خلال ذلك يقول: شدّ قطع الله يدك! قال أبو عبد الله ﵁: فذهب عقلي. ثم أفقت، فإذا الأقياد قد أطلقت عنّي،

(١) الفقرة غامضة وهي ساقطة من أعلام النبلاء.
(٢) درأ: دفع وصدّ وأبعد. والمعنى هنا أنه صان القميص عن الخرق ببركة شعرات الرسول ﷺ.
(٣) العقابان: خشبتان يمدّ بينهما السجين ليعذب (اللسان) وتسميان أيضا: الهنبازين بالباء أو الهنتازين بالتاء انظر ص ٤٩٣ هـ ٤، وانظر قادما ج ٥/ ٨٤ هـ ١.
(٤) الحديث مبتور. والخصال الثلاث هي قتل النفس، والزنا بعد إحصان والردّة (روته عائشة ﵂. والزيادة من أعلام النبلاء.

1 / 492