392

~~بها على السالكين، والاستعداد للرحيل إلى الدار الباقية، والانقياد لكل من

~~يتوسم فيه أو يشم منه رائحة المعرفة، أو التيقظ لشيء من أنوار المشاهدة، حتى

~~مرن على ذلك، ولان.

ثم عاد إلى وطنه لازما بيته، مشتغلا بالتفكر، ملازما للوقت، مقصودا،

~~نفيسا وذخرا للقلوب، ولكل من يقصده، ويدخل عليه.

إلى أن أتى على ذلك مدة، وظهرت التصانيف وفشت الكتب، ولم تبد فى أيامه

~~مناقضة، لما كان فيه، ولا اعتراض لأحد على ما آثره، حتى انتهت نوبة الوزارة

~~إلى الأجل، فخر الملك، جمال الشهداء، تغمده الله برحمته، وتزينت خرسان

~~بحشمته، ودولته، وقد سمع وتحقق بمكان الغزالى، ودرجته، وكمال فضله، وحالته،

~~وصفاء عقيدته، ونقاء سيرته، فتبرك به، وحضره، وسمع كلامه، فاستدعى منه أن

~~لا يبقى أنفاسه وفوائده عقيمة، لا استفادة منها، ولا اقتباس من أنوارها،

~~وألح عليه كل الإلحاح، وتشدد فى الاقتراح، إلى أن أجاب إلى الخروج، وحمل

~~إلى نيسابور.

وكان الليث غائبا عن عرينه، والأمر خافيا، فى مستور قضاء الله ومكنومه،

~~فأشير عليه وبالتدريس فى المدرسة الميمونة النظامية، عمرها الله، قلم يجد

~~بدا من الإذعان للولاة، ونوى بإظهار ما اشتغل به هداية الشداة، وإفادة

~~القاصدين، دون الرجوع إلى ما نخلع عنه، وتحرر عن رقه من طلب الجاه، ومماراة

~~الأقران، ومكابرة المعاندين، وكم قرع عصاه بالخلاف، والوقوع فيه، والطعن

~~فيما يذره ويأتيه. والسعاية به، والتشنيع عليه، فما تأثر به، ولا اشتغل

~~بجواب الطاعنين، ولا أظهر استيحاشا بغميزة المخلطين.

ولقد زرته مرارا، وما كنت أحدس فى نفسى [مع] ما عهدته فى سالف الزمان

~~عليه، من الزعارة، وإيحاش الناس، والنظر إليهم بعين الازدراء، والاستخفاف

~~بهم كبرا وخيلاء، واغترارا، بما رزق من البسطة فى النطق، والخاطر، والعبارة

~~وطلب الجاه، [والعلو] فى المنزلة أنه صار على الضد، وتصفى عن تلك الكدورات.

وكنت أظن أنه متلفع بجلباب التكلف متمس بما صار إليه، فتحقفت بعد السبر

~~والتنقير، أن الأمر على خلاف المظنون، وأن الرجل أفاق بعد الجنون. وحكى لنا

~~فى ليال، كيفية أحواله من ابتداء ما ظهر له سلوك طريق التأله.

وغلبت الحال عليه بعد تبحره فى العلوم، واستطالته على الكل بكلامه،

~~والاستعداد الذى خصه الله به، فى تحصيل أنواع العلوم، وتمكنه من البحث

~~والنظر، حتى تبرم من الاشتغال بالعلوم

صفحة ٤٤٧