الموجز لأبي عمار عبد الكافي تخريج عميرة
وقد علم الوافر والناقص أن ليس عثمان بأعلم القوم جميعا فتراه قد ولوه واتفقوا على إمامته كما ترون، وليس الله بجامعهم على ضلال كما قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وهؤلاء القوم حسبوا أنهم إنما أزروا على الإمامة الرستمية بهذه المقالة دون غيرهم، بل إنما أزروا قبل على رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وصاحبيه وكافة المهاجرين والأنصار، ثم على الأئمة الرستمية _رحمة الله عليهم_، وهذا القول منهم بعدما مضى أسلافهم ممن يتولونهم على تصويب إمامة من ذكروا من الأئمة الرستمية _رحمة الله عليهم_، وذلك أن يقال لهم: حدثونا عن هذه الأئمة، هل هي مستحقة للإمامة، مستوجبة لها أو غير مستحقة؟ فإن قالوا: إنها مستحقة للإمامة أثبتوها في أعناقهم، وأقروا بأن طاعتها عليهم واجبة، وبطل ما كانوا يفترون، فإن زعموا أنهم غير مستحقين للإمامة كانوا طاعنين على من مضى من أسلافهم الذين ولوهم فأثبتوا إمامتهم وماتوا على ذلك، فيجب عليهم أن يتبرأوا منهم حيث ولوهم وهم عندهم غير مستحقين لها، فإن قالوا: إنما ولوهم على شريطة ألا يقطعوا أمرا دون رهط مسمين، ثم إن الأئمة لم يفعلوا من ذلك ما اشترط عليهم، قالوا: فبذلك أبطلنا إمامتهم، قيل لهم: حدثونا عن هذه الشروط في حق كانت أم في باطل؟ فإن كانت في باطل فهي باطلة كما أن الباطل كله باطل، وإن كانت في حق فإن الحق غير محتاج إلى شروط ولا اتفاق، فعلى الإمام أن يقضي بالحق، جامعه عليه مجامع أو خالفه مخالف، ولو أن سارقا سرق، أو قاذفا قذف، أو زانيا زنى، أو قاتلا أقر عند الإمام بما فعل أكان جائزا للإمام، واسعا له أن ينتظر به اجتماع من يجتمع عليه ممن ذكروا أو يقضي عليه بالذي أوجب الله عليه؟ فإن هم قالوا: إن الإمام لا يقطع في الحدود قطعا دون الرهط المسمين خالفوا الأمة مصيبها ومخطئها، فإن جوزوا للإمام إنفاذ الأحكام دون حضرة من ذكروا صار قولهم في الشروط ودعواهم فيها دعوى فاسدة باطلة، وضل عنهم ما كانوا يفترون.
باب القول في تفسيق أهل التأويل وإثبات
كفرهم كفرا غير شرك:
فإن سأل سائل بعد هذا كله وقال: ما قولكم في المخطئين من أهل التأويل المقرين بالتنزيل؟ فقولنا: إن من دان بدين من المتأولين فكان به على الله شاهدا، وفي شهادته عليه كاذبا أنه يبرأ منه، ويشهد على فعله بالضلالة والكفر؛ لأن الله أجمل الخبر في الكاذبين عليه بالوعيد والتكفير، قال الله عز وجل: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) (¬1) ، وقال: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين) (¬2) فقرن الكاذب عليه والمكذب بصدقه في الوعيد والتكفير كما ترى، وقال: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين) (¬3) ، وكل هذا قد أجمل الخبر وعمه في المكذبين عليه، فلم يخصص كاذبا عليه في تأويل من كاذب عليه في تنزيل، وإماما، قالت به المعتزلة في تفسيق أهل التأويل، واستخصاصهم طلحة والزبير من بين سائر المتأولين، فقد مضى الحجاج عليهم في كتاب الإمامة، وأنبأنا عن ضعف اعتراضهم في ذلك، وشنعة اعتراضهم عند العامة من موافقيهم في إثبات الوعيد كفوا بها عن الإقدام فيما لزمهم الإقدام عليه بأمر مقنع إن شاء الله.
¬__________
(¬1) سورة الزمر آية رقم 60.
(¬2) سورة الزمر آية رقم 32.
(¬3) سورة العنكبوت آية رقم 68، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة، حيث جاءت "فمن" بالفاء بدلا من (ومن).
صفحة ٢٧٣