ثمة صنف من النبوءات يتصف بصفة عجيبة: أنه يصدق إذا صدقناه! «العربية عاجزة عن نقل العلوم» - تنتمي إلى هذا الصنف، فكيف كان ذلك:
النبوءة المحققة لذاتها هي تنبؤ يؤدي بنفسه، على نحو مباشر أو غير مباشر، إلى أن يصبح حقا، فرغم أنه في البداية تحديد زائف للموقف، إلا أنه يحفز سلوكا جديدا من شأنه أن يجعل التصور الزائف الأصلي يتحقق ويصير واقعا، يعمل هذا الصواب الخادع للنبوءة على استتباب الخطأ ودوامه؛ لأن المتنبئ سوف يستشهد بالمجرى الفعلي للأحداث كبرهان على أنه كان صادقا منذ البداية، وبعبارة أخرى: فإن تنبؤا معلنا على أنه صادق (بينما هو في الحقيقة كاذب) قد يؤثر في الناس (من خلال الخوف، أو الخلط المنطقي، أو الإحجام، أو الإقدام، أو الحماس، أو الفتور، أو التشجيع، أو التثبيط ...) بحيث تفضي استجاباتهم في النهاية إلى تحقيق التنبؤ الذي كان كاذبا من قبل.
41
ونحن حين نتنبأ بأن العربية عاجزة عن نقل العلوم فإننا نتردد ونتلكأ في التعريب، ويطول هجرنا وإهمالنا للعربية؛ فتجف وتضمر، وتهزل وتذبل، وتعجز عن العطاء لأنها حرمت من الأخذ! ومن ثم يرفع نذر الشؤم عقيرتهم ويعلنون عجزها وقد جعله تنبؤنا حقا!
يقول الأستاذ ساطع الحصري (رائد القومية العربية): «لا شك أنها إن أمست اليوم عاجزة وفقيرة، بعد أن كانت بالأمس غنية وقديرة، فما ذلك إلا لأن المتكلمين بها قد انقطعوا عن مزاولة العلوم منذ قرون، ولأنهم حبسوا أذهانهم في دائرة ضيقة من الأدبيات والشرعيات، منصرفين إليها عن كل ما سواها، وكأني باللغة العربية قد ظلت داخل هذه الشرنقة المعنوية جامدة خامدة، لا تتحول ولا تتكيف، ولا تنمو ولا تتطور.»
42
ويقول أ. حسام الخطيب: «إن اللغة العربية غير مخدومة لغويا وعلميا وتربويا وإعلاميا، وإنها تحتاج إلى جهود علمية - عملية حتى تنتقل من عبء نفسي عند مستخدميها إلى بهجة ويسر ودافع إيجابي.»
43
ويقول الأستاذ إبراهيم اليازجي: «اللغة بأهلها، تشب بشبابهم وتهرم بهرمهم، وإنما هي عبارة عما يتداولونه بينهم، لا تعدو ألسنتهم ما في خواطرهم، ولا تمثل ألسنتهم إلا صور ما في أذهانهم؛ ولذلك فإن كان ثمة هرم فإنما هو في الأمة لا في اللغة، لأن ما عرض لها من الهجر والإهمال غير لاحق بها ولا ملحق بها وهنا وعجزا، وإنما هو عجز في ألسنة الأمة ومداركها وتأخر في أحوالها واستعدادها.»
44 (4) التعريب ضرورة نفسية/اجتماعية
صفحة غير معروفة