مضمار الحقائق و سر الخلائق

محقق

الدكتور حسن حبشي

الناشر

عالم الكتب

مكان النشر

القاهرة

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَبِه أستعين
سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة
فِيهَا غلت الأسعار جدا بالعراق وَاشْتَدَّ الْمحل وَكثر الجدب وَكَانَت الغلات كَثِيرَة والحبوب مَوْجُودَة غير أَن النَّاس رفعوا أَيْديهم عَن البيع وَسبب ذَلِك أَن ظهير الدّين أَبَا بكر [مَنْصُور] بن الْعَطَّار صَاحب المخزن كَانَ قد تحكم فِي دولة الْخَلِيفَة تحكما زَائِدا وَاسْتولى على جَمِيع الْمُعَامَلَات الواسطية وَضمن الْبِلَاد سائرها وَمنع البيع من خَزَائِن الغلات والحبوب فاشتدت بغضته فِي قُلُوب النَّاس وخاصة أَرْبَاب دولة الْخَلِيفَة وَكَانُوا يَقُولُونَ سَبَب غلو الأسعار مَنعه لبيع الغلات
وفيهَا كثر الوباء حَتَّى مَاتَ من الْخلق مَا لَا يُحْصى كَثْرَة

1 / 3

وفيهَا بسطت يَد الشريف يَمِين الدّين الْهَاشِمِي مشرف الدِّيوَان الْعَزِيز فِي الدولة وَوَقعت المشاحنة بَينه وَبَين ظهير الدّين بن الْعَطَّار
وفيهَا مرض المستضىء بِأَمْر الله وَاشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض وَكَثُرت الأراجيف بِمَوْتِهِ وَلم يتَحَقَّق النَّاس ذَلِك وَكَانَت الْأَسْوَاق تغلق فِي أَكثر الْأَوْقَات لَا يَجْسُر أحد أَن يَبِيع وَيَشْتَرِي فَكَانَت وَفَاته أول لَيْلَة من ذِي الْقعدَة من السّنة وَكَانَت خِلَافَته تسع سِنِين وَسِتَّة أشهر وأحدا وَعشْرين يَوْمًا
أَوْلَاده أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد النَّاصِر لدين الله وَأَبُو مَنْصُور
وزيره رَئِيس الرؤساء
(٢ ا) خلَافَة النَّاصِر لدين الله
أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ وَذكر مُخْتَصر من إيالته ومحاسن سيرته وَذكر مَا تجدّد فِي أَيَّامه للبيت الأيوبي من الفتوحات والغزوات وَغير ذَلِك وَالشَّام ومصر واليمن ذكرته مفصلا أختم بِهِ كتابي هَذَا الموسوم بِكِتَاب الْمِضْمَار وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
هُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد النَّاصِر لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ ثَبت الله

1 / 4

دَعوته بن الإِمَام أبي مُحَمَّد الْحسن المستضىء بِأَمْر الله بن الإِمَام أبي المظفر يُوسُف المستنجد بِاللَّه بن الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد المقتفى لأمر الله بن الإِمَام أبي الْعَبَّاس أَحْمد المستظهر بِاللَّه بن الإِمَام أبي الْقَاسِم عبد الله المقتدى بِاللَّه بن مُحَمَّد ذخيرة الدّين وَلَيْسَ بِإِمَام بن الإِمَام أبي جَعْفَر عبد الله الْقَائِم بن الإِمَام أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْقَادِر بِاللَّه بن الإِمَام جَعْفَر المقتدر ابْن الإِمَام أبي الْعَبَّاس المعتضد بن مُحَمَّد الْمُوفق وَلَيْسَ بِإِمَام بن الإِمَام أبي الْفضل جَعْفَر المتَوَكل بن الإِمَام أبي أسحق مُحَمَّد المعتصم بن هَارُون الرشيد بن مُحَمَّد الْمهْدي بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله ابْن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم بُويِعَ لَهُ يَوْم الْأَحَد مستهل ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة صَبِيحَة الْيَوْم الْمَذْكُور وَتَوَلَّى عقد الْبيعَة ذُو الرياستين مجد الدّين أَبُو الْفضل هبة الله بن عَليّ بن هبة الله بن الصاحب أستاذ الدَّار وظهير الدّين أَبُو بكر مَنْصُور بن الْعَطَّار صَاحب المخزن وَحضر فِي الْبيعَة الْعلية ضِيَاء الدّين الشهرزوري أتفق ذَلِك أَوَان وُصُوله برسالة الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين وخطب لَهُ بِمَدِينَة السَّلَام بِبَغْدَاد وَنَثَرت الدَّنَانِير على المنابر بجوامعها وسيرت الْكتب مَعَ الرُّسُل إِلَى الْبِلَاد الإسلامية فَأرْسل صدر الدّين عبد الرَّحِيم بن إِسْمَعِيل ابْن إِسْمَعِيل

1 / 5

ابْن أبي سعد شيخ الشُّيُوخ النَّيْسَابُورِي إِلَى أتابك بهلوان مُحَمَّد ابْن أيلدكز بهمذان فَبَثَّ الدعْوَة الهادية فِي تِلْكَ الْبِلَاد من أصفهان وَجَمِيع بِلَاد خُرَاسَان وأذربيجان وسيرت رسل الْخلَافَة أَيْضا إِلَى الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فَأَقَامَ الدعْوَة الهادية الإمامية فِي جَمِيع الْبِلَاد والثغور وَالشَّام والديار المصرية وَحضر شعراء الدِّيوَان الْعَزِيز على جاري الْعَادة لتهنئة مَوْلَانَا الإِمَام النَّاصِر لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ عِنْد جُلُوسه فِي الْخلَافَة فِي ذِي الْقعدَة فَأَنْشد كل مِنْهُم كَلمته فَمن ذَلِك الْأَجَل أَمِين الدولة مُحَمَّد بن عبد الله سبط التعاويذي وَكَانَ من أفاضل الشُّعَرَاء المقدمين ذكرتها بِتَمَامِهَا لاستحسانها وَهِي
(طَاف يسْعَى بهَا على الْجلاس ... كقضيب الأراكة المياس)
(بدر تمّ غازلت من لحظه لَيْلَة ... نادمته غزال الكناس)
(ذللته لي المدام فأمسى ... لين الْعَطف بعد طول شماس)
(بَات يجلو عَليّ رَوْضَة حسن ... بت مِنْهَا مَا بَين ورد وآس)
(أمزج الكأس من جناه وَكم ليله ... صد مزجت بالدمع كامي)
(لَا يبت ذَلِك الحبيب بِمَا بت (م)
أعاني من لوعة وأقاسي)

1 / 6

(قلقي من وشاحه وبقلبي ... مَا بخلخاله من الوسواس)
(أَي برح لَو كَانَ لي مسعد فِيهِ ... وجرح لَو كَانَ لي مِنْهُ آسى)
(من تناسى عهد الشَّبَاب فَإِنِّي ... لحميد من عَهده غير ناسي)
(أخلق الدَّهْر جدتي وغدت منكوبة ... بعد مرّة أمراسى)
(يَا نَهَار المشيب من لي وهيهات ... بلَيْل الشبيبة الديماسي)
(حَال بيني وَبَين لهوى وإطرابي ... دهر أحَال صبغة رَأْسِي)
(ورأي الغانيات شيبي فأعرضن ... وقلن الشَّبَاب خير لباسي)
(كَيفَ لَا يفضل السوَاد وَقد أضحى ... شعارا على بني الْعَبَّاس)
(أُمَنَاء الله الْكِرَام وَأهل الْجُود ... والحلم والتقى والباس)
(عُلَمَاء الدّين الحنيف وأعلام ... الْهدى والضراغم الأشواس)
(أيد الله دينه بجبال ... منهمو شمخ الْجبَال رواسي)
(واصطفاهم من كل أغلب مشبوب ... الذراعين للعدي فراس)

1 / 7

(فهمو الآمرون بِالْعَدْلِ والحاكمون ... النَّاس بالقسطاس)
(وَلَقَد زينت الْخلَافَة مِنْهُم ... بِإِمَام الْهدى أبي الْعَبَّاس)
(ملك جلّ قدسه عَن مِثَال ... وتعالت آلاؤه عَن قِيَاس)
(هاشمي لَهُ زئير ينسى ... الْأسود الزئير فِي الأخياس)
(وسماح يُغني الْبِلَاد إِذا الأنواء ... ضنت بصوبة الرجاس)
(جمع الْأَمْن فِي إيالته مَا ... بَين ذِئْب الغضا وظبي الكناس)
(وعنى خاضعا لعزته كل ... أبي القياد صَعب المراس)
(بَث فِي الأَرْض رأفة بدلت وحشه ... سارى الظلام بالإيناس)
(غادرت جفوة اللَّيَالِي صفوا ... وألانت قلب الزَّمَان القاسي)
(بيد النَّاصِر الإِمَام استجابت ... بعد مطل مِنْهَا وَطول شماس)
(رد تدبيرها إِلَيْهِ فأضحى ... ملكهَا وَهُوَ ثَابت الأساس)

1 / 8

(يَا لَهَا بيعَة أَجدت من الْإِسْلَام ... بالي رسومه الأدراس)
(ولى الله أمرهَا فَلهُ الْمِنَّة ... فِيهَا عَلَيْهِ لَا للنَّاس)
(جمعتنَا على خَليفَة حق ... نبوي الأعراق والأغراس)
(فِي مقَام ذلت لهيبته الْأَعْنَاق ... ذل النقاد للهرماس)
(زَالَ فِيهِ الْحجاب عَن ملك عَار ... من الْعَار للتقى لِبَاس)
(ورأينا برد النَّبِي على منْكب ... طود من الْأَئِمَّة رَأْسِي)
(ماليا هَدْيه مَوَاقِف من نور ... جلال يضىء كالنبراس)
(فَلهُ فِي الرّقاب عهد وَلَاء ... مُحكم العقد محصد الأمراس)
(يَا مبيد العدى وَيَا طارد الْمحل ... نداه وَقَاتل الإفلاس)
(حجَّة الله أَنْت وَالسَّبَب الْمَمْدُود ... مَا بَينه وَبَين النَّاس)
(أَنْت أَحييت رمة الْعدْل والجود ... وأنشرتها من الأرماس)
(جدت قبل السُّؤَال عفوا وكأي ... من يَد لَا تدر بالأبساس)

1 / 9

(وأرحت الزَّوْرَاء من جور مزور ... عَن الْخَيْر فَاجر مكاس)
(أنفًا لِلْإِسْلَامِ مِنْهُ وَمن أشياعه ... عصبَة الْخَنَا الأرجاس)
(رد فِي نَحره انتقامك مَا فو قه ... من سهامه الأنكاس)
(دنست بُرْهَة بأفعاله الدُّنْيَا ... فطهرتها من الأدناس)
(بك عاذت من شَرّ شَيْطَانه الوسواس ... فِيهَا بمكرة الخناس)
(واشتكت داءها العضال فألفتك ... لأدوائها الطَّبِيب الآسي)
(فابق للدّين ناصرا وارم بالإرغام ... جد الْأَعْدَاء والأتعاس)
(واستمعها عذراء شَرط التهاني ... واقتراح الندمان والجلاس)
(حملت من أُرِيح مدحك نشرا ... هِيَ مِنْهُ مسكية الأنفاس)
(مدحا فِيك لي ستبقى على الدَّهْر ... بَقَاء التَّنْزِيل فِي الأطراس)
(مَا أميطت راحه يراع وَمَا خطت ... يَمِين رقشا على قرطاس)
وَبعد الْبيعَة الشَّرِيفَة بأيام برز الْأَمر الشريف ببسط يَد مجد الدّين ابْن الصاحب وَحكم فِي الدولة ونفذت أوامره فِي جَمِيع أَرْبَاب الدولة

1 / 10

وَتقدم إِلَيْهِ بِبيع الغلات والحبوب على النَّاس فَفتح الخزائن وَأطلق البيع فِيهَا وَأمر أَن يعْطى الأجناد أَرْزَاقهم من الْحِنْطَة وَالشعِير والحبوب فَفعل ذَلِك فرخصت الأسعار وَكَثُرت الْخيرَات وَفرج الله ﷾ عَن النَّاس مَا كَانُوا فِيهِ من الْقَحْط وَالْمحل وَشدَّة الْجُوع ببركة قدومه وإيالته الميمونة وأنفذ إِلَى الْبِلَاد الواسطية السفن الْكِبَار مَمْلُوءَة طَعَاما من سَائِر الْحُبُوب وتلا ذَلِك تَوَاتر الأمطار والمدود وَكَثْرَة الخصب وَانْقَضَت سنو الجدب عِنْد ولَايَته وَكَانَ النَّاس يسمون أَيَّامه العيسوبية لذهاب مَا كَانُوا فِيهِ من شدَّة الْقَحْط بمدا أَيَّامه الزاهرة زيدت شرفا
ذكر وقْعَة ظهير الدّين بن الْعَطَّار وَقَتله
وَكَانَ هَلَاكه يَوْم الْخَامِس من ذِي الْقعدَة
ذكر السَّبَب فِي ذَلِك
كَانَ خَالص الْخَادِم من خَواص الحضرة الشَّرِيفَة فبرز الْأَمر العالي أَن يُوقع لَهُ بلحف الْجَبَل والبندنجين وَمَا يجْرِي مَعهَا فنفذ أستاذ الدَّار أَبُو الْفضل بن الصاحب إِلَيْهِ يَأْمُرهُ بالتوقيع لخالص الْخَادِم كَمَا أَمر أَمِير

1 / 11

الْمُؤمنِينَ فاستعظم ذَلِك وَلم يمتثل المراسم النَّبَوِيَّة فَكَانَ فِي جَوَاب ذَلِك التَّقَدُّم بِالْقَبْضِ على ابْن الْعَطَّار وَنَقله إِلَى التَّاج الْعَتِيق فعذب بأنواع الْعَذَاب وَمَات بعد أَيَّام فَحمل لَيْلًا إِلَى دَار أُخْته فَجَعَلته فِي تَابُوت وأرادت إِخْرَاجه خُفْيَة لِئَلَّا يعلم بِهِ أحد فَجعل أستاذ الدَّار على إِخْرَاجه عينا من حَيْثُ لَا يعلم بِهِ وَنبهَ الأعوام على إِخْرَاجه وأوقف جماعته على بَاب النوبي ينتظرون خُرُوجه وَكَانَ النَّاس يبغضونه لما كَانَ يَبْدُو مِنْهُ فِي سنى الْمحل من منع البيع الْعَام على النَّاس والضمانات الْجَارِيَة فِي أَيَّامه وَمَا كَانَ يجْرِي مِنْهُ فِي حق الأجناد والمماليك فَلَمَّا خرج تَابُوت ابْن الْعَطَّار وَلَيْسَ وَرَاءه أحد يؤبه لَهُ وَوصل خَارج بَاب النوبى من دَار الْخَلِيفَة أَشَارَ بعض من كَانَ الْعين على خُرُوجه إِلَى الْعَوام والمماليك هَذَا تَابُوت ابْن الْعَطَّار فتكاثرت الْعَوام على أَخذه وَألقى من رُءُوس الحمالين وَكسر وَأخرج من التابوت ومزقت أَكْفَانه وربطوا فِي إِحْدَى رجلَيْهِ حبلا من لِيف وَجعلُوا يسحبونه فِي الْأَسْوَاق والدروب بِمَدِينَة السَّلَام وَكَانُوا ينادون عَلَيْهِ وَفعل بِهِ كَمَا فعل بِابْن القرايا المشد حَتَّى إِن من النَّاس من قطع خِنْصره وَأذنه وَكَانَ ذَلِك فِي الْخَامِس عشر من ذِي الْقعدَة كَمَا ذكرنَا
استدعاء فَخر الدولة بن الْمطلب بَين يَدي النَّاصِر لدين الله ليستوزر وَذَلِكَ فِي الشَّهْر الْمَذْكُور من السّنة
كَانَ فَخر الدولة بن الْمطلب رجلا عَالما زاهدا ورعا كثير الْمَعْرُوف مَشْهُورا بالصلاح والتقى فَلَمَّا كَانَت الْأَيَّام المستنجدية سقى الله عهودها

1 / 12