388

فالجواب له: أخذ المنكر بما فيه مخالفة جماهير المسلمين وتخطيه جميع من عاصره أو مضى قبله من المتقدمين جرأة كبيرة وجسارة عظيمة. وفي الرد على مرتكب هذه الطريقة وجوه كبيرة: منها ما وقع في كتاب البخاري, باب الحجة على من قال أن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة وما كان يغيب بعضهم من مشاهدة النبي عليه السلام وأمور الإسلام. قال أحد الشارحين له وهو ابن اللجام في مجموع: هذا الباب يرد به على الرافضة وقوم من الخوارج زعموا بأن أحكام النبي عليه السلام وسنته منقولة عنه نقل تواتر, وأنه لا سبيل إلى العمل بما ينقل نقل تواتر. وقولهم في غاية الجهل بالسنن وطرقها, فقد صحت الأثار أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بعضهم السنن والأحكام عن بعض, ورجع بعضهم إلى ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وانعقد الاجماع من الجمهور على العمل بخير الآحاد, فبطل قول من خرج عن ذلك.

وفصل آخر منه ما نصه: الاعتصام بالجماعة كالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله, لقيام الدليل على توثيق الله تعالى ورسوله عليه السلام صحة الاجماع وتحذيرها من مفارقته, لقوله تعالى: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى. وقوله تعالى كنتم خير

[299/1] أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. وهاتان الآيتان قاطعتان على أن الأمة لا تجتمع على ضلال, وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بذلك فهما له من كتاب ربه عز وجل, فقال: لاتجتمع على ضلال, ولايجوز أن يكون أراد جميعها من عصره إلى قيام الساعة, فإن ذلك لا يفيد شيئا, إذ الحكم لا يعرف إلا بعد انقراض جميعها, فعلم أنه أراد أهل الحل والعقد من كل عصر.

صفحة ٣٨٨