380

ومن العلل الداخلة على تارك الدعاء جهرا في المسجد عقب الصلاة إذا كان مصليا فيه بغيره أن حالته تحمله في الغالب على الاعجال بالانفصال لما قد ارتكبه من الانكار ولما علم من الكلام في قعود الإمام لغير ضرورة في مصلاه بعد انقضاء صلاته فيزعجه القلق للتخطي على رقاب بعض الحاضرين معه, أو حملهم أيضا وهم كارهون على القيام لأجله. وقد لا يسلم هو من قصد الاظهار للمخالفة بالفعل, فتراه كالوجع بالاسراع والامساك عن الكلام, وإن كان عمله بهذه الصفة من مجانية السيرة المعتادة قلما

[293/1] يتخلص الناظر له من الوقوع في جهة أو فيمن تقدمه من مشيخته, وقد يظن في الإمام أنه في الدعاء على مذهب الواسطي وأصحابه من المتصوفة القائلين بأنه يقدح في التوكل, أو على مذهب المعتزلة في قولهم لا فائدة في الدعاء مع سابق القدر, فيكون المنكر كالخارج من السهل الرحب, الواقع بانكاره في الحرج الصعب.

ولا شك في أن من تحيز عن الأمة إلى جانب معارضتها, واستخف ارتكاب منابذتها, وكان له غرض في الإنفراد عنها, والازورار عن جهة من لا يتابعه منها, فهو على غرر كبير وغرور مبين. فخرج المرء في وطنه عن شكله وثقته برأيه واستحسانه لعلمه, من الأدلة على فساد عقله وقد يحمله الاستبلاغ في المخالفة على الرمي بالتجهيل والتضليل للجماعة. وفي الحديث الصحيح لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وفيه: سددوا وقاربوا, أي اقتصدوا ولا تغلوا. ومنه هلك المتنطعون, وهم المتعممون الغالبون. وعنه عليه السلام أنه قال: من قال هلك الناس فهو أهلكهم, وضبطه بضم الكاف بعضهم. ولا ريب في أن من باين الناس كلهم أو كثر أهل الخير منه لغير ضرورة تلحقه, وصار باستحقارة لهم امة وحده, أو أراد حملهم على طريقته الخاصة به, فقد جعل للشيطان السبيل إلى فتنته بما يدخله عليه من الدواخل التي منها إعجابه بنفسه, وكبره على أكابر جنسه.

صفحة ٣٨٠