1285

ونص السؤال الملقى بخطه رحمه الله : وأسلم على الشيخ الأجل المقرئ الصالح الأكمل ، أبي الضياء مصباح ابن الشيخ الصالح أبي عبد الله اليالصوتي وصل الله كرامته ، وأدام سعادته وأعرفه -عرفه اله الخيرات ، وأولى لديه عميم الميراث- أني كنت مدة ثلاث سنين حكمت على رجل من أهل تازى بأن زوجت عليه ابنته لموجب أفسره لكم في هذا الكتاب ، وذلك أن ابنته البكر رفعت إلى أن أباها يضربها بسبب تهمتها بالزنى ، فجلدها من ظهر جمعة إلى أقرب العشاء مكشوفة العورة ، وجعل عليها قرمة ، وحلق شعرها وألبسها التليس وصار يبصق في وجهها أي وقت رآها وطرحها وصار يجوعها ويطعمها ما لا تعتاد ، وبعث إلى القوابل ينظرن عورتها فصار ينظر في فرجها معهم ، ويتواعدها ويهددها بالقتل ، واتصل ذلك من فعله إلى أن وجدت فلتة ففرت بنفسها ، وأنه عضلها عن أكثر من أربعة من الخطاب ، وأن ابن الترجمان خطبها ورضيت بإنكاحه وهو كفء لها ، وأن والدها امتنع من إعطائها له ، وسألت مني النظر في مسألتها بالوجه الشرعي ، فكلفتها إثبات دعواها فاسترعت بشهود من البلد أكثرهم بالمباشرة لبعض الضرر ، وبعضهم بالسماع الفاشي المنتشر في البلد ، وزادوا مع ذلك من وجوه الضرر أنه يتحدث مع كل من يرى ويلقى من الناس بحديث زناها ، وأنها ولدت من زنى ويجتمع[60/3]عليه حين حديثه الناس لخفة عقله ، وأن الناس رغبوا عن خطبتها وفروا بسبب ذلك ، وألبسها ثناء سوء عند رجال أهل البلد ونسائهم ، وشهد مع ذلك بعض العارفين بحاله وحالها أن نكاحها صلاح وسداد في حقها لإنقاذها من عذابه ، وكونها لا يؤمن عليها مزيد فساد ، وهي راغبة في النكاح وطالبة له ، وشهدوا بكفاءة الخاطب في الحال والمآل ، فأثبت ذلك كله عندي في عقد صرح فيه بأسماء الشهود ، فأعذرت في ذلك كله إلى الوالد وعرفته بما عولت عليه وقبلته من شهودها ، فأبحت له الدفع فيه وأجلبته في ذلك أجلا ثم أجلا وسجنته في خلال ذلك ، وأعلمته أنه لا محالة له في هذا الباب ، وأن لا يوكل من ينوب عنه في الدف ، تطلب الحضور بين يدي فأحضرت جمعا من طلبة البلد كما حضر والدها في خلال الأجل والأعذار وقال لي بمحضرهم عجزت عن الدفع فافعل ما تراه وشهد عليه برسم ، ثم إن الحاضرين رغبوه في تولي العقد فقال إنه حلف بالطلاق ألا يعقده ، وأخبرني بيمينه عدل كان حاضرا له ، وهو مع ذلك يقول ما تفعله هو ذلك ولا تحتاج لأحد ، فقال في محضر الفقهاء افعل ما تراه ليس لي مقال حجة ، فقلت للحاضرين امضوا كما أنتم للفقيه المقرئ أبي محمد عبد الله البطوئي -وكان به يومئذ يسير مرض ، فاعرضوا عليه القضية ، فإن رأى عقد النكاح عليها وأفتى به ، فأعلموني لأعقده فرغبت والدها في أن يمشي إليه وهو يقول ما تفعله هو ذلك ولا تحتاج لأحد : فقلت : له لا بد أن يفتي هذا المفتي وحينئذ تطيب نفسك ، فمضوا إلى المفتي فوجدوا عنده استفاضة الضرر ، وقال لهم إنكاحها صلاح وسداد ، لما ثبت من الضرر والعضل وأفتى بذلك ، فرجعوا عنه وكانوا ستة من خيار الطلبة ، فكلفتهم عقدا بما أشار به هذا المفتي ، فكتبوه وشهدوا فيه ، وهو مع ذلك حاضر يردد قوله الأول ، فنظرت في موجب الحكم فألفيت الضرر والعضل ، وألفيت النص في أن كل واحد منهما كاف في سقوط نظره عنها وإنكاح القاضي لها ، فأظهر من يجوز كلامه من إسناد النظر إلى بعد العجز ، وأضفت إليها رواية البغداديين التي نص عليها الجلاب وغيره في غير ما ديوان ، أن الثيب من زنى يسقط إجبار الأب إياها على النكاح ، وهي ووالدها معترفان بذلك ، ثم إني بعثت إليها خيار الشهود فقالت لهم إني راغبة[61/3]في النكاح وطالبة له ، ولا لي زوج غير هذا الذي خطبني الآن ، ولا أرضى إلا به ، وأضفت أيضا على ذلك ما نص عليه من أن البنت إذا طلبت من أبيها أن يزوجها وجب عليه إنكاحها ، وما ذكروا فيمن له بنتان صالحة وطالحة ، ورأيت أنه لما سقط عنها نظر أبيها وصار النظر إلي ورغبت في النكاح ، وجب علي إنكاحها ، ويؤيد ما يخاف عليها من الفساد ، إذ هي موصوفة به ، وفعلته مع كونها في حرز وحفظ من دار أبيها ، فكيف بها وهي موقوفة على نكاحها بمحضر الطلبة ، وأشهدت على نفسي وبينت في حال الإشهاد أنه مبني على جميع هذه الأركان ، وكتبت ذلك في سجل كبير صرح فيه بأسماء الشهود الذين شهدوا بالموجبات وبنينا الحكم على هذه الأسباب ، ودخل الزوج بها ، ثم إن والدها تشكى على مولانا السلطان أيده الله تعالى بنصره ، فبعثت عقد الحكم إلى الفقيه اليزناسني أعزه الله ونفع به ، فكتب بيده تحت سجل الحكم أنه صحيح جار على الكتاب والسنة ، وربما أشار فيها أظن أنه لا يحتاج إلى رواية البغداديين ، وأن ثبوت الضرر والعضل كاف في الحكم ، وطالعه الفقيه أبو عبد الله السطي وغيره من الفقهاء ، ووقع فيه مجلس بحضرة المولى أن ذلك الرجل يعرف حاله وانفصلت المسألة . وكان أيضا وقف على ذلك الحكم بالأمر العلي فقهاء تازا الفقيه أبو عبد الله بن عطية مع عبد الله بن عمر المفتي أولا ، وعبد الواحد بن أبي زيد الوادي وغيرهم ، فلم يجدوا بابا للفسخ .

صفحة ٧٣