الباب الأول
في تخير المكان المتخذ للبنيان
قال أرسطاليس: أول الصناعات الضرورية الصيد، ثم البناء، ثم الفلاحة، وذلك لو أن رجلًا سقط في فلاة لا أنيس بها ولا زرع لم يكن همه إلا حفظ قوام نفسه بالغذاء، فليس يفكر إلا فيما يصيد، فإذا صاد واغتذا يفكر بعد ذلك إلا فيما يسكن فيه وهو البناء، فإذا تم له فكر حينئذ فيما يزرعه ويغرسه.
وقال إبراهيم بن إسحاق المصعبي بمياء الملوك العمارة ولا يحسن بهم التجارة.
وقال ابن كلدة جميع خصال الدار المستخسة أن تكون على طريق نافذ وماؤها يخرج منها وليس عليها مشترف وحدودها لها وتكون بين الماء والسوق ويصلح فناؤها لحط الرحال وبل الطين ووقوف الدواب وإن كان لها بابان فذاك أمثل وينبغي أن يكون أيضًا في طرف البلد لأن الأطراف منازل الأشراف.
وقال البحتري، توفي سنة أربع وثمانين ومائتين:
عجب الناس لاعتزالي وفي الأط ... راف تلفى منازل الأشراف
وقعودي عن التلفت والأر ... ض لمثلي رحيبة الأكناف
ليس عن ثروة بلغت مداها ... غير إني امرء كفاني مفافي
قيل: وإنما كانت الأطراف منازل الأشراف لأنهم يتناولون ما يريدونه بالقدر ويصل إليهم من يريدهم بالحاجة إليهم.
وقيل لرجل في أي موضع من القرآن الأطراف منازل الأشراف فقال قوله تعالى: ﴿وجاء من أقصا المدينة رجلٌ يسعى يا قوم اتبعوا المرسلين﴾ فهنا أشرفهم وكان ينزل أقصى المدينة.
وقيل ليس في الأرض بخيل ولا جواد إذا ابتاع دارًا إلا بنى فيها شيئًا وهدم شيئًا وإن قل لأن حاجته ومنافعه ومرافق المالك الأول لا يستويان، قال الجاحظ رأيت بخلاء في نهاية البخل يسرفون في الإنفاق على البنيان.
وقال الحكماء لذة الطعام والشراب ساعة ولذة النوم يوم ولذة المرأة شهر ولذة البنيان دهر كلما نظرت إليه تجددت لذته في قلبك وحسنه في عينك.
وقال ناصر بني أمية في مبانيه العظيمة بمدينة الزهراء بالأندلس:
هم الملوك إذا أرادوا ذكرها ... من بعدهم فبألسن البنيان
إن البناء إذا تعاظم شأنه ... أضحى يدل على عظيم الشان
ولما دخل الرشيد إلى منبج قال لعبد الملك بن صالح الهاشمي وكان لسان بني العباس هذا البلد مقر لك، فقال يا أمير المؤمنين هو لك ولي بك، قال كيف منازلك به، قال دون أهلي وفوق منازل غيرهم، قال وكيف صفة مدينتك، قال عذبة الماء طيبة الهواء قليلة الأدواء، قال كيف ليلها قال سحر كله وهي تربة حمراء وسنبلة صفراء وشجرة خضراء وفياف فيح بين قيصوم وشيح، فقال الرشيد والله هذا الكلام أحسن منها.
ولما بنى عيسى بن جعفر قصره بالرصافة دخل إليه عبد الصمد فقال بنيت أجل بناء بأطيب فناء وأوسع فضاء على أحسن بهاء بين صحار وحيتان وضباء، فقال كلامك أحسن من بنائها.
وكان ابن جعفر بن سليمان الهاشمي يقول العراق عين الدنيا والبصرة عين العراق والمربد عين البصرة وداري عين المربد.
وقال بعض أهل التجربة إذا ابتنى أحدكم دارًا فليترك في واجهتها ثلمة تقيها شر عين الكمال.
قلت: ولا بأس بإيراد نبذة مما يتعلق بكرى الدار.
فمن ذلك ما حكى أن رجلًا دخل حجرة يكتريها فقال أين المطبخ فقل له في الجيران من يطبخ لك ويكفيك المؤنة، فقال أين المخبز فقيل إذا اختمر العجين خبزوا لك أيضًا، قال فبيت الخلاء فقيل بالقرب خربة تقضي فيها الحاجة، قال فالسطح فقيل على الباب ساحة يطيب فيها النوم في الصيف، قال فأنا في دار وما أعلم بروحي فأستمر ما أنا فيه وأربح الأجرة.
وقال الحكيم بن سعيد قال لي ملك بسرنديب صف لي معايش أهل البصرة فقلت قوم منهم لهم فضول منازل يكرونها وقوم لهم أرقاء يستعملونها وقوم لهم رءوس أموال يغدون إلى أسواقهم فيأكلون فضولها وقوم لهم نخيل يأكلون ثمارها فقال من كان معاشه من كرى فلئام الناس ومن استعمل الأرقاء فكلاب الناس والين يغدون إلى أسواقهم فذئاب الناس ولكن أصحاب النخل، وقال بعضهم:
قد رضينا من الزمان بقوت ... وثبوت ومسكن لا زيادة
ورضينا من الإله بما ير ... ضى ومن غيره تركنا الإرادة
غير أنا نروم خاتمة الخيـ ... ـر فإن يسرت فتلك السعادة

1 / 1

لطيفة: ذكرها الحريري في كتابه الموسوم بتوشيح البيان أن أحمد بن المعدل كان يجد بأخيه عبد الصمد وجدًا شديدًا على تباين طريقتهما لأن أحمد كان صوامًا قوامًا وكان عبد الصمد سكيرًا خميرًا وكانا يسكنان دارًا واحدة ينزل أحمد في غرفة أعلاها وعبد الصمد أسفلها فدعا عبد الصمد ذات ليلة جماعة من ندمائه وأخذ في القصف واللات والعزف حتى منعوا أحمد الورد ونغصوا عليه التهجد فاطلع عليهم وقال: ﴿أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض﴾ فرفع عبد الصمد رأسه وقال: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ .
قلت: وعلى ذكر الغرفة فا ألطف ما ذكره علاء الدين الوداعي في تذكرته قال: رأيت مكتوبًا على غرفة يصعد منها إلى سطح قبة الصخرة المقدسة قوله تعالى: ﴿أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلامًا﴾ فعجبت من اتفاقها وكأني لم أسمعها، ورأيت أيضًا في طاقة زجاج بقبر طالوت ﵇ بسفح قاسيون قوله تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ وهذا من عجيب ما يكتب على طاقة زجاج.
نادرة: كان بعضم في دار بكري فقال لصاحبها اعمر لي السقف فإنه يفرقع إذا مشينا عليه فقال لا بأس عليك فإنه يسبح الله، فقال أخشى أن تدركه الرقة فيسجد.
وطلب بعضهم دارًا للكرى فدلوه على دار فدخل غيرها فوجد واحدًا ينيك أمرد فاستحى وقال هل عندكم دار للكرى فقال له ما أحمقك نحن من الضيق بعضنا على بعض.
كان بعض النحويين له مال كثير وليس له سكن يأوي إليه فقيل ابن بيتًا، فقال والله لا بنيت ما اتفق النحويون على إعرابه.
ومما قاله المرحوم القاضي فتح الدين بن الشهيد الذي كان مولده بالرملة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وقد توفي مقتولًا بالقاهرة سنة ثلاث وتسعين سبعمائة وكتبه على عمارة له:
بنيت على وقف المكارم والعلى ... فللفتح أبوابي وصدري للضم
سناالملك يبدو في موشح زينتي ... ومن أجل ذدار الطراز على كمي
ومما كتبه على الرفرف قوله:
رفعت كماشا الترفه رفرفًا ... أزين سمائي بل أزين سماحي
فلا بدع أن الناس يهوون بهجتي ... ويمشون في ظلي وتحت جناحي
الباب الثاني
في أحكام وضعه وسعة بنائه وبقاء الشرف والذكر ببقائه
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ لما بلغه أن سعدًا وأصحابه بنوا بالمدر كتب: أكره لكم البنيان بالمدر فإذا فعلتم فعرِّضوا الحيطان وأطيلو السُّمك وقاربوا بين الخشب.
ولما بنى معاوية داره بدمشق باللبن دخلها وفد من الروم فقالوا ما أحسن ما بناها للعصافير فهدمها وبناها بالحجر.
ورأى بعضهم رجلًا قد بنى حائطًا بالحجر وهو يبيضه فقال هذا يستر الذهب بالفضة.
وحكى أن يحيى بن خالد كان جالسًا للقصص فرفعت إليه قصة متظلم من بعض عماله فقربه وسأله عن ظلامته، فقال له إن عاملك فلانًا ظلمني وأخذ مالي واغتصب صنيعتي وهدم شرفي، فقال له فهمت جميع ما ذكرته إلا قولك هدم شرفي فما معناه، فقال له أنا من أبناء فارس كانت لي ضيعة وبالقرب منها قصر على الطريق فيه سقاية ينزلها الناس ويسقون منها ويذكرون بانيها ويترحمون عليه فغصبني الضيعة وهدم القصر فأمر يحيى بالكتابة إلى العامل أن ترد عليه ضيعته وجميع ما أخذته منه وتبني القصر حتى ترده على هيئته كما كان، وقال لبنيه ابنوا فإذن الذكر والشرف باقيان ببقاء البنيان.
وقيل لأبي الدهمان أين دارك؟ فقال إذا دخلت سكة بني العنبر فالدار التي تدل على شرف أهلها داري.
وعلى ذكر السؤال ما أحسن ما ذكره ابن رشيق في الأنموذج أن عبد الرحمن بن محمد الفراسي جلس مع بعض شيوخ يونس وكان الشيخ نهاية في المجون فاجتاز بهم رجلًا يسأل عن دار ابن عبدون فأقبل الشيخ عليه فقال هي في تلك الرابعة حيث يقوم أيرك فقال الفراسي لأنظمنه، فما رأيت مثل هذا المعنى، وأنشد من وقته:
إن شئت أن تعرف عن صحة ... داري التي تعزى لعبدونه
فامش فإن أيرك أبصرته ... قام فإن الباب من دونه
وقد عكس الشيخ صلاح الدين الصفدي (ومولده سنة أربع وتسعين وستمائة ووفاته سنة أربع وستين وسبعمائة) هذا المعنى فقال:
أقول لمن يسائل عن محلي ... تقدم وامش من خلف السواري
ومر فحيثما تلقى حكاكًا+بسرمك لا تعد فثم داري

1 / 2

رجع: خرّج الخطيب الحافظ أبو بكر في تاريخه قال لما بنى المهدي قصره بالرصافة دخل يطوف فيه ومعه أبو البحتري وهب بن وهب بن وهب فقال له هل تروي في هذا شيئًا؟ قال نعم حدثني جعفر بن محمد عن ابنه أن رسول الله ﷺ قال: "خير صحونكم ما سافرت فيه أبصاركم".
وقال المأمون يومًا لجلسائه أتدرون من أهنى الناس عيشًا، فقالوا أمير المؤمنين فال لا قالوا فأمير المؤمنين أعلم، فقال أهنى الناس عيشًا رجل له دار قوراء وامرأة حسناء وكفاف من العيش لا يعرفنا ولا نعرفه.
قال سلمة الأحمر دخلت على الرشيد فيقصره الذي بناه فقلت:
أما بيوتك في الدنيا فواسعة ... فليت قبرك بعد الموت يتسع
فجعل يبكي وقيل: أن خالد بن الوليد ﵁ شكى إلى النبي ﷺ ضيق مسكنه، فقال: ارفع البناء وسل الله السعة.
وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر وقد همّ ببناء دار استوسع فإن الهمة في السعة.
سئل بعضهم ما الغنى فقال سعة البيوت ودوام القوت.
وقال بعضهم طيب المساكن بثلاثة: سعة الصحن، وخرير الماء، وشيء من الخضرة.
(يحيى بن خالد) الدنيا ثمانية: الطعام الطيب، والماء البارد، والثوب اللين، والفراش الوطي، والدار الواسعة، والمرأة الموافقة، والخادم الفارة، والقدرة على الأخوان بالإحسان.
وكان يقال جنة الرجل داره.
وذكر الأحنف الدور فقال: ليكن أول ما يشترى وآخر ما يباع.
وقال يحيى لبعضهم ما السرور فقال: دار قوراء وامرأة حسناء وفرس مرتبط بالفناء وينشد:
ومن المروة للفتى ... ما عاش دار فآخره
فما قنع من الدنيا بها ... واعمل لدار الآخرة
وكان يقال: دار الرجل عيشه.
قال السلامي في كتابه نتف الطرف الدور للناس الأعشة للطير والأوجرة للوحش والحجرة للحشرات فدار الرجل حال نفسه وموضع أمنه ومسكن قلبه ومجمع أهله ومحرز ملكه ومأنس ضيفه وملتقى صديقه وعدوه ولا شيء أصعب على الناس من الخروج من ديارهم.
وقد قرن الله ﷾ الخروج منها بالقتل حيث قال: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم﴾ وقال أحد الأشراف لابنه: يا نبي أحسن أثرك في هذه الدنيا بالبناء الحسن واسمع قول الشاعر:
ليس الفتى بالذي لا يستضاء به ... ولا يكون له في الأرض آثار
ولا تنس قول الآخر
إن آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار
ومن أحسن ما قيل في بناء الملوك قول علي بن الجمهم المتوفي سنة تسع وأربعين ومائتين:
وما زلت أسمع أن الملو ... ك تبني على قدر أخطارها
فلما رأيت بناء الإما ... م رأيت الخلافة في دارها
حكي أن أبا العيناء دخل على المتوكل فيقصره فقال له: كيف ترى دارنا هذه؟ فقال الناس بنوا دورهم في الدنيا وأنت بنيت لدنيا في دارك.
أخذه اليزيدي فقال:
لما بنا الناس في دنياك دورهم ... بنيت في دارك الغراء دنياها
فلو رضيت مكان البسط أعيننا ... لم يبق عين لنا إلا فرشناها
الباب الثالث
في اختيار الجار والصبر على أذاه وحسن الجوار
وقيل الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق، وقيل لبعضهم أين معك في القرآن الجار قبل الدار، فقال قوله تعالى: ﴿رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة﴾ وقال ﷺ: "من أشراط الساعة سوء الجار نعوذ بالله من ثلاث هن القوافر: إمام السوء إن أحسنت لم يشكر وإن أسأت لم يغفر، ومن جار السوء إن رأى حسنًا ستره وإن رأى قبيحًا أذاعه، ومن سوء امرأة إن غبت عنها خانتك وإن دخلت عليها لسنتك.
حكي: أبو السعادات بن الشجري (مولده سنة خمسين وأربعمائة وفاته اثنتين وأربعين وخمسمائة) في شرح الحماسة أن العباس بن الفرج الرياشي قال وفد زياد الأعجم على حبيب بن المهلب وهو بخراسان فبينما هما يشربان ذات عشية إذ سمع صوت زياد صوت حمامة تغني على شجرة في دار حبيب فقال:
تغني أنت في ذممي وعهدي ... بأن لا يذعروك ولا تضاري
إذا غنيتني وشربت كأسًا ... ذكرت أحبتي وذكرت داري
فإما يقتلوك طلبت ثأرًا ... لأنك في حماي وفي جواري

1 / 3

فأخذ الحبيب سهمًا فرماها فأنفذها فقال زياد قتلت جاري، بيني وبينك المهلب فاختصما إليه فقال المهلب أبو أمامة لا يروع جاره، وقد ألزمتك العقل ألف دينار فدفعها إليه من يومه.
ولما بنى كسرى إيوانه كانت بجواره دويرة لعجوز لا يكمل تربيع الإيوان إلا بها فدفع لها جملة من المال، فقالت لا أبيع جوار الملك بملئها ذهبًا ولا أخرج من جواره طائعة فإن غصبني إياها فهو قادر على ذلك فعلم كسرى بذلك، فقال تترك ويبنى الإيوان فقيل لا يجيء مستحكم التربيع، فقال يبنى ما اتفق وكان فيه عوج، فكان بعد ذلك يقال لهما أحسن بناء هذا الإيوان ولولا هذا العوج فيقول بهذا العوج تم حسنه.
قلت: وعلى ذكر الإيوان ما أحسن ما أنشدني من لفظه لنفسه أجازه الشيخ عز الدين على ابن الشيخ بهاء الدين الحسن الموصلي رحمه الله تعالى أحجبيه كتب القاضي صلاح الدين الصفدي تغمده الله بالرحمة:
يا من له الطول في المعالي ... وبالمعاني لنا يبصر
إني كما قلت في سؤالي ... ما مثل قولي نعم مقصر
رجع: وكان لابن المقفع بجنب داره دار وكان يستامها من صاحبها وهو يمتنع من بيعها اتفق أن ركبه دين فاحتاج إلى بيعها فعرضت عيه فسأل عن سبب بيعه إياها بعد غبطة بها فأخبره بقصته، فقال ما قمت إذًا بحرمة الجار إن اشتريتها وقد باعها معدمًا فحمل إليه ثمن الدار وقال أبق دارك عليك بارك الله لك فيها ورد هذا في دينك.
وقال الأصمعي رأى بعضهم عدي بن حاتم الطائي يفت للنمل خبزًا بفناء داره، فقال له يا أبا طريف ما تصنع؟، فقال جارات ولهنّ حرمة.
قلت: وعلى ذكر حاتم الطائي ذكرت ما أنشدنيه سيدي الجناب المجدي فضل الله بن المرحوم الصاحب الفاضل فخر الدين عبد الرحم بن مكانس سلمه الله تعالى قال: أنشدني والدي من لفظه قال أنشدني صاحبنا الشيخ شمس الدين الواسطي (توفي المذكور قريبًا م سنة ثمانين وسبعمائة) لنفسه مواليًا:
ما مت حتى جفاني كل من فيالحي ... وملني وقلاني كل من لوشيّ
وأنت ما في العجم والعرب مثلك حيّ ... يا من طوى بالمكارم ذكر حاتم طيّ
قلت: وأنشدني من لنفسه الصاحب المرحوم فخر الدين بن مكانس من قصيدة (وتوفي تغمده الله بالرحمة سنة أربع وتسعين وسبعمائة) وذلك بمنزله بقنطرة قدادار بتاريخ عاشر صفر من شهور عام ثلاث وتسعين وسبعمائة:
وكم طربت لما أبدته من ملح ... يصبو له كل ذي عقل وآراء
وجدت بالتبر من مالي ومن أدبي ... فكنت في كل حال منهما الطائي
رجع إلى ما كنا بصدده وقال محمد بن عبد الرحمن الزهري كانت بيني وبين أبي العباس تعلب مودة أكيدة وكنت أستشيره في أموري فجئت يومًا أشاوره في الانتقال من دار إلى أخرى لتأذي بها بالجوار، فقال يا أبا محمد تقول صبرك على أدى من تعرفه خير لك من استحداث ما لا تعرفه.
من غريب الاتفاق أن بشار بن برد كان قد حلف أنه لا يجاور حماد عجرد ولا يضله وإياه سقف بيت ولا مسجد وأنه يهجوه بألف قصيدة، فاتفق أن مات حماد في قرية من سواد البصرة وعرضت لبشار هناك حاجة فمات فيها ودفن إلى جانب حماد عجرد.
وقريب من هذه الحكاية ما حكي أن روحًا بن حاتم بن قبيصة بن المهلب كان واليًا على السند وأخوه يزيد واليًا على أفريقيا فتوفي بها في سنة سبعين ومائة بالقيرون، فقال أهل المدينة وأعني أفريقية ما أبعد ما يكون بين قبري هذين الأخوين فإن أخاه بالسند وهذا هنا فاتفق أن الرشيد عزل روحًا عن السند وسيره إلى موضع أخيه يزيد فدخل إلى أفريقية فلم يزل واليًا بها إلى أن مات ودفن مع أخيه في قبر واحد فعجب الناس من غريب هذا الاتفاق.
عود: وكان لأبي حنيفة جارًا إسكاف بالكوفة يعمل نهاره أجمع فإذا جن الليل رجع إلى منزله بلحم أو سمك فيطبخ اللحم أو يشوي السمك فإذا دب فيه السكر أنشد:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر

1 / 4

فلا يزال يشرب ويردد البيت إلى أن يغلبه السكر وينام وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله ويسمع جلبته وإنشاده ففقد صوته ليال فسأل عنه، فقيل أخذه العسس منذ ثلاثة أيام وهو محبوس فصلى صلاة الفجر وركب بغلته ومشى واستأذن على الأمير، فقال ائذنوا له وأقبلوا به راكبًا حتى يطأ البساط ففعل لك به فوسع له الأمير في مجلسه وقال له ما حاجتك؟ فقال لي جارًا سكاف أخذه العسس منذ ثلاثة ليال فتأمر بتخليته، فقال نعم وكل من أخذ من تلك الليلة إلى يومنا هذا، ثم أمر بتخليته وتخليتهم أجمعين فركب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وتبعه جاره الاسكاف فلما وصل إلى داره قال له أبو حنيفة أترانا أضعناك، فقال لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيرًا عن صحبة الجوار ورعاية الحق ولله علي أن لا أشرب خمرًا ابدًا فتاب ولم يعد إلى ما كان عليه.
قلت: وقد ضمن هذا البيت الشيخ برهان الدين القيراطي تضمينًا حسنًا (ومولده سنة ست وعشرين وشبعمائة، ووفاته سنة إحدى وثمانين وسبعمائة):
فقال دعاني منيتي لكريه راح ... ورشف الثغر منه عقيب سكر
فقلت له دعوت فتى يرجى ... ليوم كريهة وسداد ثغر
ونقلت من المستجاد في فعلات الأجواد عرض محمد بن الجهم دارًا بخمسين ألف درهم فلما حضروا ليشتروا قال بكم تشتروا مني جوار سعيد بن العاص وكان بجواره فقالوا وإن الجوار ليباع، فقال وكيف لا يباع ويفرد بثمن وهو جوار من إذا سألته أعطاك، وإن سكت ابتدأك، وإن أسأت أحسن فبلغ ذلك سعيدًا فوجه إليه بمائة ألف درهم وقال أمسك عليك دارك.
وعلى ذكر الجار فما أحسن قول الشيخ جمال الدين بن نباتة (ومولده سنة ست وستمائة، ووفاته سنة ثمان وستين وسبعمائة) .
بروحي جيرة أبقوا دموعي ... وقد رحلوا بقلبي واصطباري
كأنا للمجاورة اقتسمنا ... فقلبي جارهم والدمع جاري
وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب (ومولده سنة ست عشرة وسبعمائة، ووفاته سنة ثمان وثمانين وسبعمائة) وقد انتقل النيل السعيد عن بر مصر إلى البر الغربي شط الجيزة.
يا أيها السلطان إن النيل عن ... مصر تنقل بعد طول جوار
فاحفظ لنا جريانه وجواره ... فالله قد أوصى بحفظ الجار
وأنشدني سيدي وأخي الجناب المجدي فضل الله بن مكانس أبقاه الله_تعالى_من موشحة لنفسه
أجريت ما بين دموعي الغزار*مثل البحار*ولم يدع لي طول دهري قرار
هجر حبيبي وهو مني قريب*مع الرقيب*قد صيراني بين قومي غريب
دأبي النحيب*فآه من جورك يا ذا الحبيب*على الكثيب
وما احتيالي في قريب الديار*ونائي المزار*هو على الحالين يا قلب جار
رجع إلى ما كنا فيه: كان أبو سفيان إذا نزل به جار قال له يا هذا إنك قد اخترتني جارًا واخترت داري دارًا فجناية يدك على دونك وإن جنيت عليك فاحتكم حكم الصبي على أهله.
وذكر ابن الجوزي في كتاب الأذكياء قال رجل يا رسول الله إن لي جارًا يؤذيني قال انطلق وأخرج متاعك إلى الطريق، فانطلق فأخرج متاعه فاجتمع الناس إليه فقالوا ما شأنك؟ قال لي جار يؤذيني فجعلوا يقولون الله العنه اللهم اخزه اللهم أخرجه، فبلغه ذلك فأتاه فقال ارجع إلى بيتك فوالله لا أوذيك بعدها. وهذه من الحيل التي أباحها الشرع الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده.
وورد أن أبا مسلم الخراساني صاحب الدعوة عرض عليه فرس سابق فقال لأصحابه لما يصلح هذا الفرس؟ فقالوا ليوم الحرب، فقال كلا ولكن ليهرب عليه من جار السوء.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث كن في الجاهلية الإسلام أولى بها: كان الرجل منهم إذا نزل به ضيف سعى له أهل البيت كبيرهم وصغيرهم حتى ينقلب وهو راض، وكان الرجل منهم إذا طال ثواء امرأته معه كره طلاقها لئلا تذل بعده، وكان الرجل إذا جنى جاره جريمة باع فيها ولو ولده حتى ينقذ جاره.
الباب الرابع
في الباب
الباب يجمع على أبواب وقد قالوا فيه أبوبة للازدواج، وقيل أبواب مبوبة كما قيل أصناف مصنفة، ولبعضهم فيما يكتب عليه.
لذ بذا الباب كلما ... خفت ضيق المناهج
فهو باب مجرب لقضاء الحوايج
وأنشد الأصمعي وفي أبيات المعاني قول بعض العرب:
وذي رجلين لا يمشي عليها ... ولكن في القيام له صلاح

1 / 5

فندفعه إذا احتجنا إليه ... ونجذبه إذا حان الرواح
وقال الحاتمي في باب بمصراعين (توفي المذكور سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة):
عجبت لمحرومين من كل لذة ... يبيتان طول الليل يعتنقان
إذا أمسيا كانا على الناس مرصدا ... وعند طلوع الفجر يفترقان
وقال الشيخ شمس الدين بن دانيال (توفي سنة عشر وسبعمائة):
قل للوزير محمد بن محمد ... يا من هو المسك الذكي لمن درج
أنت الذي دار السعادة داره ... طول الزمان وبابه باب الفرج
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
بشر أمير المعالي باتصال هنا ... يحفه السعد من أقصى جوانبه
واكتب على بابه الغربي معتمدًا ... عز يدوم وإقبال لصاحبه
وقال:
أيا دار دار اليمن من كل وجهة ... عليك ولا زال الهنا لك يجاب
ولا عدم القصاد بابك إنه ... لنجح الرجا باب صحيح مجرب
قلت: قوله صحيح على غير طائل وصاحب الذوق السليم يشهد والمعنى يقدم.
وقال:
يا زائري قاضي القضاة لينهكم ... ما صحح التجريب من أبوابه
أقسمت ما الحجر المكرم للغني إلا الذي تغشون من أعتابه
وقال:
يا مالكًا تقصر عن وصفه ... بذائع الشاعر والكاتب
في بابك العلم وفيض الندى ... فلا خلا بابك من طالب
وقال ناصر الدين ابن النقيب في المجون (توفي سنة سبع وثمانين وستمائة):
قال لي الخارج صف لي ... مثل ما أعرف وصفك
أين باب الخرق قل لي ... قلت باب الخرق خلفك
وعلى ذكر باب الخرق فلا بأس بإيراد نبذة مما قيل في باب زويلة، فمن ذلك قول إبراهيم المعمار (توفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة):
زويلة بابك هذا سفيه ... يشرب ماء الخمر جهرًا بفيه
ولم يزل يألف سفك الدما ... وكل ما يقطعه الشرع فيه
وله فيه:
حاذر زويلة إن مررت ببابها ... وطعامها كن آيسًا من خيره
فوسط القتلا يقول به انظروا ... من لم يمت بالسيف مات بغيره
وقال شهاب الدين بن أبي حجلة (مولده سنة خمس وعشرين وسبعمائة، ووفاته سنة ست وسبعين وسبعمائة):
برت زويلة إذا أمسى يقول لنا ... باب لها قول صدق غير مكذوب
إذا وعدت حراميا بسفك دما ... في الحال علق من وعدي بعرقوب
وقال الشيخ شمس الدين الضفدع فيما يكتب على الباب (مولده سنة ثلاث وتسعين وستمائة، ووفاته سنة ست وخمسين وسبعمائة):
من ذا الذي ينكر فضلي وقد ... فزت من الحسن بمعنى غريب
عندي لمن يخذله دهره ... ﴿نصر من الله وفتح قريب﴾
وقال إبراهيم المعمار:
يا من بباب علاه ... العيش للنا سطابا
أرسلت مدحي غلامًا ... إليك يخدم بابا
وما أظرف قول من قال وإن كان غير ما نحن فيه ولا تحسبه لك وحدك إن كنت راقدًا اتنبه كما فتحت الطاقة غيرك يسد الباب.
وقال القاضي مدي الدين بن عبد الظاهر ملغزًا فيه (مولده سنة عشرين وستمائة ووفاته سنة اثنين وتسعين وستمائة):
أي شيء تراه في الدور والكت؟ ...؟ب مجازًا هذا وذاك محقق
يحفظ المال والحريم ولو ... لاه حفيظًا لكان ذلك يسرق
هو زوج تارة وهو فرد ... وهو في أكثر الأحايين يطرق
وطليق في نشأتيه ولكن ... بحديد من بعد ذلك يوثق
وثلاثًا تراه في الخط لكن ... هو اثنان كله إن يفرق
وتراه للحشو ينسب حينًا ... وهو مع ذلك لا يرى يتزندق
وهو في القلب يستوي وتراه ... بان تصفيحه لمن يترمق
فأجبني عنه بقيت مطاعًا ... لست في حلبة الفضائل تسبق
كتب الشيخ شرف الدين عبد العزيز الحموي المعروف بشيخ الشيوخ إلى والده ملغزًا (مولده سنة ست وثمانين وخمسمائة، ووفاته سنة إحدى وستين وستمائة):
ما واقف في المخرج ... يذهب طورًا ويجي
لست تخاف شره ... ما لم يكن بمرتج
فكتب إليه والده الجواب ذهاب وجيء وخوف وهذا باب خصومة والسلام.
وكتب الأديب نصر الدين الحمامي إلى السراج الوراق وكان السراج يسكن بالروضة (مولده سنة خمس وعشرة وستمائة، وتوفي سنة خمس وتسعين وستمائة):
كم قد أردد للباب الكريم لكي ... أبل شوقي وأحيي ميت أشعاري

1 / 6

وأنثني خائبًا فيما أؤمله ... وأنت في روضة والقلب في نار
فكتب الجواب إليه:
الآن نزهتي في روضة عبقت ... أنفاسها بين أزهار وأثمار
أسكرتني بشذاها فانثنت بها ... وكل بيت أراه بيت خمار
ولا تغالط فمن فينا السراج ومن ... أولى بأن قال إن القلب في نار
وقال الصاحب جمال الدين بن مطروح في قصيدة يمدح بها الملك الأشرف مظفر الدين موسى (ولد ابن مطروح سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وتوفي سنة تسع وأربعين وستمائة):
ما كان أشوقني للئم بنانه ... ولقد ظفرت بلئهما فليهنني
ودخلت من أبوابه في جنة ... يا ليت قومي يعلمون بأنني
وقال علاء الدين الوداعي (مولده سنة أربعين وستمائة وتوفي سنة ست عشرة وسبعمائة):
من أم بابك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والسمع عن حسن
قلت: أما قرة فهو قرة بن خالد السدوسي وهو ثقة روى عن الحسن وابن سيرين وليس بتابعي، وأما صلة فهو صلة بن أشيم العدوي كان من عباد التابعين وهو زوج معاذة العدوية وهي تروي عن عائشة ﵂، وأما جابر فهو جابر بن عبد الله كان صاحب رسول الله ﷺ وليس هو جابر الجحفي لأن جابر الجحفي ضعيف وهو تابعي وإنما ضعفوه لأنه كان يؤمن بالرجعة، وأما حسن فهو حسن البصري كان تابعيًا كبيرًا رأى من أصحاب النبي ﷺ نحو ثلاثمائة رجل، ولقد أجاد علاء الدين في استعمال هؤلاء الرجال في أوصاف الممدوح ودل على جودة اطلاعه على أسماء رجال الحديث، رحمه الله تعالى.
وأنشدني سيدي وأخي تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي سلمه الله تعالى لنفسه الكريمة إجازة من قصيدة.
قصدت باب الحبيب والرقبا ... عليّ من خيفة اللقا حنقه
قالوا: فما تبتغي فقلت لهم ... حتى تخلصت أبتغي صدقه
والشي يذكر بلوازمه ما ألطف وأبلغ ما ذكره ذو الوزارتين لسان الدين بن الخطيب الأندلسي في ترجمة شهاب الدين بن رضوان الغرناطي أبو جعفر في تاريخه بالإحاطة (وذكر أن وفاته سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة):
يا من اختار فؤادي مسكنا ... بابه العين التي ترمقه
فتح الباب سهادي بعدكم ... فابعثوا طيفكم يغلقه
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة نثرًا: أي والله تخلى الشباب وخمد آب الذهن اللهاب وخلا الفكر الحائم من صوب والفهم الخادم من صواب، واقصر عن نظمه ونثره من كانت له في الإنشاء نشأة وكانت له في الشعر أسباب، وغض بصر القريحة وتقاص ذيلها فما يرفع لها ولا تجر أهداب، واختبى لسان المنشئ المنشد عجزًا وأغلق عليه من شفتيه مصراعي الباب.
وقال القاضي الفاضل نثرًا (مولده سنة اربع وعشرين وخمسمائة، ووفاته سنة ست وتسعين وخمسمائة): لا زالت الملوك ببابه وقوفًا والأقدار له سيوفًا والخلق له في دار الدنيا ضيوفًا ودين دين الحق تعلمه الناس أنه إذا جرد لتقاضيه سيوفًا سيوفى.
ومن نثره: كل لفظة موصولة بأنه وفي كل قلب من حربه وفي كل دار من فضله جنة فروح الله تلك الروح وفتح لها أبواب الجنة فهي آخر ما ترجوه من الفتوح.
من رسالة كتبها المرحوم العلامة فتح الدين بن الشهيد إلى بعض أصحابه، وقد طرق عليه الباب فوجده مقفلًا: فما هو إلاا أن قبلت العتبة فأعتبت، وتأدت فريضة الخدمة لما وقفت وتأدبت، وأطلت قرع حلقة الباب فقال الصدى ضربت من حديد بارد وجئت، وقد استقل ركاب المسود والسائد فاذكر حاجتك أبلغ عنك ما تقول وأسبق، يرجع الجواب إليك الرسول قلت محب يراهم بالقلب إن عاقب الحوايج والجوانح ورحت، وقلت إن جئت بجواب فسل عن سايح بن رايح وعدت أمشي بخفي حنين.
وأصغي إلى صوت الصدى عند ذكركم ... فأطرب للمغني وأهتف بالدار
وأسعى بها دارًا على مروة الصفا ... أطوف بها سبعًا ولم أقض أوطاري
وما نافعي التطواف في دارة الحمى ... إذا لم يكن في دارة الحي أقماري
وترددت حتى كلل دمعي للطرق بالعقيق ورمت أنفاسي النار في الدار وصاحت الحريق.
وللقاضي الفاضل يصف الستائر من قصيدة أولها:
يا طالب الجود يمم كعبة الكرم ... وقل سلام لها عن كعبة الحرم

1 / 7

كأن أستاره روض سمحت له ... بماء يشرك هذا المخرق السم
غيم يزر على شمس وفي يده ... غمامة لقيته كاشف الغمم
سحب تعود منه فيض أنملة ... والسحب إن سيرت دلت على الديم
لو لم تكن سحبًا ما كان ذيلها ... برقا يشام إذا ما البرق لم يشم
بيض كعرضك في طول كطولك في ... لمع كنشرك في سلك حكى كلم
فكنت كالشمس في ثوب النهار بها ... لا كالبدور بأثواب من الظلم
أظهرت عدلك فيها فهي معجزة ... فالأسد ما وثبت والريم لم يرم
قرب سانحة فيه وسارحة ... فأعجب لضدين في بحر من الكرم
تهيم بالصيد آمالي إذا نظرت ... فيها فأذكر منع الصيد في الحرم
كأن أحداقنا ترعى الحدائق من ... جنات عدن وعدل دائم قدم
أقاح روض كأن الورد فرزوه ... فيا لجريه ماء كف بالضرم
والطير في شجرات الرقم عاكفة ... ونبت عنهن في التغريد بالنغم
إن لم يكن ثمر فيها ففي يده ... ثمار جود زهت في روضة الشيم
يود ما مثلوه فيه من صور ... لو أنها استخدمت في جملة الخدم
تلك الستور عجاج والنجوم لها ... عرى وأيدي الظبا فروزنها بدم
أظن بابك خدا غرت من قبل ... عليه حتى منعت اللثم باللثم
إذا رأيت بها الأعلام مشرقة ... رأيت أشهر من نار على علم
مثل السراب ووقت القيظ بيضها ... لكن وردت بعيني حين هم فمي
وللمولى السيد شمس الدين القاسم ابن الصاحب موفق الدين علي بن الآمدي نقلته من خط الوداعي:
ومشعل قام في خشوع ... كراهب شق عنه جيبا
قد فني الجسم منه سقمًا ... واشتعل الرأس منه شيبا
وورد على سيدنا ومولانا المرحوم القاضي أمين الدين محمد الأنصاري (المتوفي أواخر سنة ثمان مائة وأخبرني أن مولده سنة إحدى وخمسين وسبعمائة) صاحب ديوان الإنشاء الشريفة بالشام المحروسة كتاب من سيدنا ومولانا أوحد العصر القاضي بدر الدين محمد المخزومي المالكي الشهير بابن الدماميني (الذي مولده في سنة ثلاث وستين وسبعمائة) أنفذ الله أحكامه وذلك من مكة المشرفة بتاريخ التاسع والعشرين من شهر الله المحرم سنة إحدى وثمانمائة جاء منه وينهي أنه سطرها بمنى وقد سالت بأعناق البدن الأباطح ووقفت الجزر تؤمل سعد الأخبية، فما طلع لها غير سعد الذابح وقد برد الصدر المحرور برمي الجمار وقرت العيون برؤية تلك الآثار وقرع المملوك باب الرحمة عند وصوله إلى البيت الشريف، وقال للزمن تنكر ما شئت فقد حصل التعريف.
وذكر صاحب المباهج أن ستر إيوان كسرى أحرق لمات ملك المسلمون المدائن فأخرج منه ألف ألف مثقال ذهبًا، وقيل مائة ألف مثقال.
وطرق رجل على عمرو بن عبيد الباب، فقال من هذا، فقال أنا، قال لست أعرف أحدًا من إخواننا اسمه أنا.
وأخرج البخاري من طريق جابر ﵁، قال استأذنت على النبي ﷺ فقال من هذا، فقلت أنا، فقال أنا أنا كأنه كرهه.
وأنشدني الشيخ شمس الدين الجرائحي لنفسه فيما يكتب على ستر:
أنا الستر المجمل بالب؟ ...؟ها والعز والنصر
فلذ بي أن تجد ضيمًا ... وقل يا مجمل الستر
الباب الخامس
في ذم الحجاب
خال بن عبيد الله القشيري كان يقول لحاجبه فلا يحجبن عليّ أحد فإنما الوالي يحتجب لثلاث: شر يكره أن يطلع عليه غيره، أو ريبة يخاف انتشارها، أو بخل يكره معه أن يسأل شيئًا.
ووقف رجل على باب أبي دلف فأقام به حينًا لا يصل به فتلطف في رقعة أوصلها إليه وكتب فيها:
إذا كان الكريم له حجاب ... فما فضل الكريم على اللئيم
فأجابه:
إذا كان الكريم قليل المال ... ولم يعذر تعلل بالحجاب
وأبواب الملوك محجبات ... ولا تستكثرن حجاب باب
وقال علاء الدين الوادعي يعتذر إلى بعض أصحابه:
إن كنت يا أكرم الصحاب ... حجبت لما طرقت بابي
فأنت قلبي ولا عجيب ... إذا غدا القلب في حجاب
وقال زين الدين بن الوردي (توفي سنة خمسين وسبعمائة) يلوم نفسه على زيارة أقوام:
مذ زرتهم صحبة وودا ... ألفيتهم مغلقين بابا
سعيي إلى بابهم جنون ... مني فاستأهل الحجابا

1 / 8

وقال بعض الحكماء لبعض الملوك: لا تمكن الناس من كثرة رؤيتهم لك فإن أجرأ الناس على الأسد أكثرهم له رؤية.
وقال آخر كثرة الأذن مجلبة الابتذال وهيبة الملوك في الاحتجاب وكان يقال المبذول مملوك والممنوع متبوع.
ولله در ابن المعتز وما أحسن قوله:
كما يخلق الثوب الجديد ابتذاله ... كذا يخلق المرء العيون اللوافح
وقيل لبعض الحجاب متى تفرغ ولايتك فقال متى حضر طعام مخدومي وأين هذا من قول القائل:
جزت على باب صديق لنا ... وبابه من دونه مقفل
وحول تلك الدار غلمانه ... قد أحدقوا بالباب واستكملوا
فقلت ما يصنع مولاكم ... قالوا سمعنا أنه يأكل
قلت فلما يفتح مولاكم ... قالوا بلى رأس الذي يدخل
وقيل لبعضهم: هل تغديت عند فلان؟ قال لا ولكنني مررت ببابه وهو يتغدى، قال فكيف علمت؟ قال رأيت غلمانه بأيديهم قسى البندق يرمون الطير في الهوى.
وقال بعضهم:
رأيت أبا زرارة قال يومًا ... لحاجبه وفي يده الحسام
لئن وضع الخوان ولاح شخص ... لأختطفن رأسك والسلام
فقال سوى أبيك فذاك شيخ ... بغيض ليس يردعه الكلام
فقال وقام من حنق إليه ... بقد لام يزد فيه القيام
أبي وأبو أبي والكلب عندي ... بمنزلة إذا حضر الطعام
فما في الأرض أقبح من خوان ... عليه الخبز يحضره الزحام
وما أحسن قولا القاضي الفاضل:
بتنا علبى حال يسر الهوى ... وربما لا يمكن الشرح
بوابنا الليل فقلنا له ... إن غبت عنا هجم الصبح
وله في بواب يلقب بالبحري:
وهب أن هذا الباب للرزق قبلة ... فها أنا وقد وليته دونكم ظهري
وهب أنه البحر الذي يخرج الغنى ... فكل خرافي الشط في لحية البحري
وقال كمال الدين بن النبيه (توفي سنة تسع عشرة وستمائة) لما سمع قول الفاضل:
قلت لليل إذا حباني حبيبا ... بغناء يسبي النهى وعقارا
أنت يا ليل حاجبي فامنع الص؟ ...؟بح وكن أنت يا دجى برد دارا
وقال ناصر الدين بن النقيب:
ماذا على بواب دراكم الذي ... لا إذن يعطينا ولا يستأذن
لو ردنا ردًا جميلًا عنكم ... أو كان يدفع بالتي هي أحسن
وللشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في غير المعنى:
يا رب إن النيل زاد زيادة ... أدت إلىهدم وفرط تشتت
ما ضره لو جاء على عاداته ... في دفعة أو كان يدفع بالتي وأنشدني الشيخ العلامة عز الدين الموصلي لنفسه (المتوفي سنة تسع وثمانين وسبعمائة، وأخبرني أن مولده أربع وعشرين وسبعمائة):
قد سلونا عن الحبيب بخود ... ذات وجه به الجمال تفنن
ورجعنا عن التهتك فيه ... ودفعنا بالتي هي أحسن
رجع إلى ما كنا فيه: قال الناشئ الأصغر (المتوفي سنة ست وستين وثلاثمائة):
ليس الحجاب بآلة الأشراف ... إن الحجاب مجانب الإنصاف
ولقل ما يأتي فيحجب مرة ... فتعود ثانية بقلب صاف
وقال أبو الحسين الجزار (مولده سنة إحدى وستين وستمائة، ووفاته سنة اثنتين وسبعين وستمائة):
أمولاي ما من طباعي الخروج ... ولكن تعلمته من خمولي
وصرت لديك أروم الغنى ... فيخرجني الضرب عند الدخول
وألم بهذا الأديب شمس الدين الضفدع فقال:
وافا إلى خدمته العبد كي ... يحظى بتقبيل يد أو قبول
واستأذن الخادم في قربه ... منكم لأن البعد ستر يحول
فكاد أن يخرجه الضرب عن ... غناك بالإيقاع قبل الدخول
٣أوحى إليه منه قولًا فما ... بلغ عنه ما يقول الرسول ونقلت من خط فخر الدين بن مكانس للجمال ابن عبد الغني:
أتيت إلى بابك يا سيدي ... أهنيك بالعيد مع من يهني
فأخرجت من بعد ذاك الدخول ... وقد جئت يعني مدلًا بأني
مغن ويخرج بعد الدخول ... وتأبى الطباع خروج المغني
حكي عن أبي الحسين الجزار أنه جاء إلى باب الصاحب زين الدين بن الزبير فأذن للناس كلهم ولم يؤذن له فكتب في ورقة:
الناس قد دخلوا كالأير أجمعهم ... والعبد مثل الخصي ملقى على الباب

1 / 9

فلما قرأها ابن الزبير قال لحاجبه اخرج إلى الباب وناد يا خطي ادخل فلما سمع أبو الحسين قول الحاجب يا خصي ادخل فقال هذا دليل على السعة.
وهذا جميعه مأخوذ من قول الآخر:
أيدخل من يشاء بغير إذن ... وكلهم كسيد أو عوير
وأبقى من وراء الباب حتى ... كأني خصيه وسواي أير
وقال بعض الشعراء وقد منعه بواب اسمه بصاقة من الدخول
يا من سما في المكرما ... ت وفاق أرباب الممالك
أعجب لأمر بصاقة ... منع الدخول لباب خالك
وهو المعين على الدخو ... ل إذا تعسرت المسالك
وقال جحظة:
ولي صاحب زرته للسلام ... فقابلني بالحجاب الصراح
وقالوا تغيب عن داره ... لخوف غريم ملح وقاح
ولو كان عن داره غائبًا ... لأدخلني أهله للنكاح
وقال آخر:
وكل خفيف الشأن يسعى مشمرًا ... إذا فتح البواب بابك أصبعا
وتحن الجلوس الماكثون توقرا ... حياء إلى أن يفتح الباب أجمعا
وأنشدني صاحب الأمالي:
كم من فتى تحمد أخلاقه ... ويسكن العارفون في ذمته
قد أكثر الحاجب أعداؤه ... وأحقد الناس على نعمته
حكى أبو السعادات بن شجري في شرح الحماسة أن أنس بن زنيم الهذلي وفد على عمرو بن عبد الله بن التميمي في جماعة من الشعراء فصده الحاجب عن الدخول وأذن لغيره من الشعراء فلما طال حجابه كتب إليه أبياتًا منها:
لقد كنت أسعى في هواك وأبتغي ... رضاك وأعصي أسرتي والأدانيا
حفاظًا وإمساكًا لما كان بيننا ... لتجزيني يومًا فما كنت جازيا
أراني إذا ما شمت منك سحابة ... لتمطرني عادت عجاجًا وسافيا
أأقصى ويدنى من يقصر رأيه ... ومن ليس يغني عنك مثل غنائيا
فلما قرأ الأبيات عنف حاجبه ثم أذن له وقال له ويحك ما هذا، قال فعل حاجبك وطول مقامي وأنت تعطي من أقبل وأدبر، فقال يا هذا أشهدت معي موذاة هجر قال لا، قال ألك من يد تضربني بها أو تستحق علي ما طلبت قال نعم كنت أجلس بين يديك وأسمع حديثك فأنشر محاسنه وأطوي مساوئه، فقال وأبيك إن في هذا لما يشكر كم أقمت بالباب، قال أربعين يومًا فأمر له بأربعين ألف درهم.
ولشهاب الدين ابن أبي حجلة:
ألا قل لشمس الدين صاحبنا العبسي ... أتينا مرارًا نحو بابك بالأمس
فإن حجبتك الجدر عنا فربما ... رأينا جلابيب السحاب على الشمس
وقال شرف الدين بن عنين (ومولده سنة تسع وأربعين وخمسمائة ووفاته سنة ثلاثين وستمائة):
أين غلمانك الممطيفون بالبغ؟ ...؟لة والرافعون للأثواب
ردك الدهر كالنداء على الني؟ ...؟يل لا حاجب ولا بواب
وعلى ذكر الحاجب فما أحسن قول القائل في مليح قلندري:
بدا في حلق الحواجب فتنة ... فقلت لعقل ذاهل فيه ذاهب
حبيبي بحق الله قل لي ما الذي ... دعاك إلى هذا فقال مجاوبي
وعدت بوصل العاشقين تعطفًا ... فلم يثقوا فاسترهنوا قوس حاجبي
وقال السراج الوراق فيه:
عشقت من ريقته قرقف ... وما له إذ ذاك من شارب
قلندريا حلقوا حاجبا ... منه كنوز الخط من كاتب
سلطان حسن زاد في عدله ... فاختار أن يبقى بلا حاجب
وقف بعض المطابيع على باب بعض الأمراء والطعام قد حضر فخرج حاجب الأمير إلى الباب فقال أيها المطبوع ألك حاجة، قال نعم قال ما هي؟ فقال له إذا دخلت فاقرئ خبر الأمير السلام.
وما أظرف في ذم الحاجب قول السراج الوراق:
لا ذقت ذل حجاب ... ولا وقوفًا بباب
فقد حنقت وقد قا ... م شارب البواب
ورحت أجري وصحف؟ ...؟ت موضعين لما بي
وقال زين بن الوردي:
يقول بوابه إذا رأى ... بالباب مني وقفة الحائر
له محارلايم بها شغلة ... قلت محاريم بلا آخر
وقال السراج الوراق مضمنًا:
وقطب عند دخولي إليه ... فتم له القبح معنى وصورة
ولولا الضرورة ما زرته ... على الرغم مني وعند الضرورة
وقال جمال الدين ابن نباتة:
حجبتني فازددت عندي علبا ... برغم من أقبل كالعاتب
وقلت لا أعدم من سيدي ... من كان عيني فغدا حاجبي

1 / 10