المسائل البصريات
محقق
د. محمد الشاطر أحمد محمد أحمد
الناشر
مطبعة المدني
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ هـ
تصانيف
•علم النحو
مناطق
•إيران
الإمبراطوريات و العصور
البويهيون أو البوييون (شمال وغرب وجنوب فارس؛ العراق)، ٣٢٠-٤٥٤ / ٩٣٢-١٠٦٢
المسائل البصريات
لأبي علي الفارسي
ت: ٣٧٧ هـ
تحقيق ودراسة الدكتور/
محمد الشاطر أحمد محمد أحمد
صفحة غير معروفة
بسم الله الرحمن الرحيم
المسائل البصريات أملاها أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار
في جامع البصرة
مسألة ١:
قال أبو عثمان كان الأخفش لا يجيز "زيد ضربته وعمرًا كلمته"، ويحتج بأن "ضربته" جملة لها موضع، وقوله: "وعمرا كلمته" جملة لا موضع لها.
والعطف في قولك: "لقيتُ زيدًا وعمرًا كلمتهُ" إنما اختير فيه
1 / 211
النصب؛ لأن الأحسن أن يعطف الشيء على الشيء الذي هو مثله، وهذه الجملة مخالفة لما قبلها.
1 / 212
قال محمد بن يزيد: وهذا قول أبي إسحاق الزيادي قال وهو عندي القياس.
[قال أبو علي - الفارسي- أيده الله] اعلم أن هذه الجملة وإن كان لها موضع من الإعراب فإن ذلك الإعراب لما لم يخرج إلى اللفظ في الجملة نفسها صارت لذلك بمنزلة ما لا موضع لها، وإذا صارت كذلك لم يمتنع أن يعطف عليها ما لا موضع له من الجمل.
ويدلك على أنه لما لم يظهر هذا الإعراب في لفظها صار بمنزلة ما لا إعراب لموضعه ولا حكم له أن اسم الفاعل لما كان الضمير الذي يحتمله لا يظهر في اللفظ صار لا حكم له، فصار بمنزلة ما لا ضمير فيه.
ألا ترى أنه مُنصرفٌ أو لا ترى أنه يثنى ويجمع تثنية الأسماء التي لا تحمل ضميرًا وجمعها.
ولو كان لذلك حكم لم يثن كما لم تثن الجمل ولم تجمع.
1 / 213
ولو كان له حكم لصار "ضاربانِ" جملة مثل "يضربان" ولو كانت كذلك لوصلت بها [الأسماء] الموصولة فقلت: "اللذان ضاربان أخواك".
أفلا ترى أن هذا الضمير لما لم يظهر لم يكن له حكم، فكذلك إعراب هذه الجملة لما لم يظهر في لفظها - وإنما هو شيء يقدر لموضعها - لم يكن له حكم فجاز عطف ما لا موضع له عليها؛ لكونها بمنزلتها.
فإن قلت: فإنك إذا أفردت الخبر ظهر فيه لفظ الإعراب، وكان ظهوره في المفرد بمنزلة ظهوره في الجملة.
قيل: إن اسم الفاعل أيضًا إذا جرى على غير من هو له أظهر معه الضمير الذي كان يحتمله ولم يُجْعَل ظهور ذلك في الموضع الذي ظهر فيه خارجًا من حكم الأسماء التي لا تحمل ضميرًا في الموضع الذي لا يظهر فيه.
فإذا جُعِلَ اسم الفاعل بمنزلة ما لا ضمير فيه، وإن كان يظهر في موضع فأن تُجعل الجملة التي تقع موقع الخبر بمنزلة ما لا موضعَ له أجدرُ؛ لأن الجملة لا يظهر فيها إعرابٌ البتة، واسم الفاعل يظهر معه الضمير في موضع.
فإن قلت: إذا كانت الجملة تقع خبرًا للمبتدأ كما يقع المفرد خبرًا له فمن أين قلتم إن الأصل للمفرد والجملة واقعة في موضعه؟ وهلا كانت الجملة كالمفرد في أنها أصل فيمتنع في الجملة ما يمتنع في المفرد؟
قيل: المفرد هو الأصل؛ لأنه الأول والجملة منه تُرَكَّبُ، فالمفرد الأول.
1 / 214
ويدلك أيضًا على أن المفرد الأول في هذا الموضع خاصة دون الجملة أن المبتدأ والخبر في المعنى كالفعل والفاعل في أن كل جملة جزءان: أحدهما حديث والآخر مُحدث عنه، فكما أن الفعل أحد الجزءين من الجملة التي هي الفعل والفاعل وهو مفرد غير جملة، فكذلك خبر المبتدأ الذي هو بجزءيه ينبغي أن يكون مفردًا غير جملة.
وإذا كان مفردًا كانت الجملة واقعة في الخبر في موضعه، وإذا كانت في موضعه علمت أن الإعراب المقدر لها للموضع غير خارج إلى اللفظ، وإذا لم يخرج إلى اللفظ لم يقع به اعتداد، وإذا لم يقع به اعتداد ساوت ما لا موضع له، وغذا ساوته جاز عطفه عليها.
ومما يدلك على أن ما لا يظهر إلى اللفظ لا حكم له، وإن كان في التأويل مقدرًا قولهم: أزيدًا ضربته، وامتناع الناس جميعًا من العطف على هذه الجملة المضمرة لما لم تظهر إلى اللفظ وإن كانت قد عملت في المفعول.
ومن ثم قال البغداديون: إن المفعول منتصب بهذا الظاهر.
1 / 215
وإذا كان كذلك فالمشاكلة بين الجملتين في العطف جائزة لقيام المشابهة بينهما، ولم يكن ذلك بأبعد من إجرائهم "أيدع" في المعرفة مجرى "أذهبُ" لما كان على لفظه.
وليس شبه الجملة التي يتأول لها موضع تحمِلُه على لفظها وصورتها بأغمض من شبه "أيدع" بـ"أذهب".
مسألة ٢:
قال أبو علي - أيده الله- مما يدل على صحة قول أبي عثمان في مفارقة همزة الوصل اللاحقة للام التعريف سائر الهمزات التي تلحق وصلا، وأنه لا يجوز على قياس قولهم "الحمرُ"، "اسَل" أن هذه الهمزة لما لحقت ما لا يصحب إلا الأسماء، ووقعت مفتوحة كان ذلك مُضارعةً لها بهمزة أحمر ونحوه، فجاز لذلك عندهم أن تثبت حيث تسقط سائر الهمزات المجتلبة للوصل، لأنها
1 / 216
عريت من هذه المشابهة، فلم يجز فيهن ما جاز فيها من الثبات حيث سقطن.
ألا ترى أنهم لما رأوا هذه المشابهة فيها قطعوها في مواضع لم يُقطع فيها غيرها [كقولهم] "يا أله اغفر لي" و"أفألله ليفعلن" وألزموها الإثبات مع حرف الاستفهام، وقالوا في تذكر الخليل ونحوه "اَلىِ" فلم يحذفوها مع حركة اللام وليس شيء مما ذكرناه في سائر هذه الهمزات.
فكما اختصت بالثبات في هذه الأشياء كذلك ثبتت في قولهم: الحْمَرُ.
ولا يجوز على هذا القياس: "اِسَلْ" ولا: "اقتلوا" لتعريها من الشبه الذي ذكرناه.
[فآ]: اقتلوا أصله اقتتلوا فأدغم التاء الأولى في الثانية، وألقى حركتها على القاف.
[فآ]: قلنا الخليلُ، ولم نقل/٥٤ أالرجل ولا الصاحب؛ لأن لام التعريف لا تظهر معهما، وتظهر مع الخليل.
1 / 217
فإن قلت: فهلاَّ ألزمت القطع ولم توصل كـ"أحمر" وبابه؟ فإن ذلك لا يجوز.
ألا ترى أن ما لا ينصرفُ لم يُجعل كالأفعال ولم تنتزع منه أحكام الأسماء، وإن كان قد شبه بها في بعض الأحوال؟
فإن قلت: فهلا استجيز قطعها في "ايمُنِ" لانفتاحها ودخولها في الاسم؟ قيل: قد أُقِرَّتْ مع همزة الاستفهام ولم يكن فيها مثل ما كان في همزة اللام لأنها لم تكثر كثرتها ولم تقاربها في ذلك، والتغيير على ما يكثر في كلامهم أشد تسلطًا منه على ما لم يكثر.
يدلك على ذلك: "لمْ يَكُ" و"لا أدْرِ" و"لم أُبَل" و"لم أُبَلِهْ" ونحو ذلك مما كثر، فغُيِّر عن حال نظيره.
فكذلك "ايمُنِ" لما لم يكثُر كثرة هذا الحرف اللاحق لعامة الأسماء لم يلحقه من التغيير ما لحقه.
والذي أجاز في تحقير "اضطرب اضيريب" أفحش خطأ عندنا ممن زعم أن من قال "اَلاَنَ" لزمه أن يقول "اِسَلْ"، وذلك أن الحركة في
1 / 218
"اِسَل" إنما هي حركة الهمزة المحذوفة، وإذا كانت الحركة للهمزة كانت الفاء في تقدير السكون، وإذا كانت في تقدير السكون جاز أن يظن جواز لحاق الهمزة.
ألا تراهم قالوا: "ضوٌ" فحركوا الواو طرفا، ولم تقلب حيث كانت في نية السكون.
وقد نطقت العرب بهمزة الوصل حيث حركت الساكن بحركة الهمزة المحذوفة في "اَلاَنَ" و"والَحْمَر"، ولم يفعلوا ذلك بالفاء إذا كانت ساكنة في التكبير ثم حُقِّر.
ألا تراهم قالوا "ابنٌ" فاجتلبوا الهمزة ثم قالوا "بُنيٌّ" فأسقطوها ولم يثبتوها.
فكذلك لا يجوز في اضطراب اُضيريبٌ كما لم يجز في "ابنٍ اُبينٌ".
فالذي أجاز في "اضطراب" هذا أخطأ نصَّ العربِ على ما كان مثله وفي حكمه، والذي أجاز "اِسَل" لم يخطئ نصهم إنما أجاز على نصهم شيئًا هو عنده في حكمه، وقد أجازت العرب مثله وإن كان عند مُخالفهِ ليس كذلك.
فإن قال: إنما حذفتُ التاء وبقيتُ الهمزة لأني لو حذفتها لصرت إلى ما ليس مثله من الأبنية.
1 / 219