مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محقق
محمد أمين الصناوي
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت
الإصدار
الأولى - 1417 هـ
على الخطاب للمبالغة في الترهيب ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) أي وقت رجعهم إليه تعالى يسكت المشركون متحيرين وييأسون من كل خير، ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء يجيرونهم من عذاب الله تعالى كما كانوا يزعمونه، وكانوا بشركائهم كافرين (13) أي وكان عبدة الأصنام بآلهتهم متبرئين منهم يقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، ويوم تقوم الساعة يومئذ بعد تمام الحساب يتفرقون (14) أي جميع الخلق فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) أي فهم في جنة يسرون بكل مسرة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الجنة وما فيها من النعيم، وفي آخر القوم أعرابي فقال: يا رسول الله هل في الجنة من سماع؟ قال صلى الله عليه وسلم: «يا أعرابي إن في الجنة نهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خوصانية يتغنين بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة»
«1» .
وروي أن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة فإذا أراد أهل الجنة السماع، بعث الله تعالى ريحا تحت العرش فتقع في تلك الأشجار، فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا. وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة بالبعث بعد الموت فأولئك في العذاب محضرون (16) أي لا غيبة لهم عن العذاب ولا فتور له عنهم، أما من يؤمن ويعمل السيئات فليس دائم الحضور في العذاب، وليس من المحبورين غاية الحبور في رياض بل له منزلة بين المنزلتين، فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) أي نزهوه تعالى عن صفات النقص، وصفوه بصفات الكمال في هذه الأوقات، واحمدوه وإنما خص بعض الأوقات بالأمر بالتسبيح، لأن الإنسان لا يمكنه أن يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح لكونه محتاجا إلى تحصيل مأكول ومشروب، وملبوس، ومركوب، وكما أن العبد ينزه الله في أول النهار، وآخره، ووسطه فإن الله يطهره في أوله- وهو دنياه- وفي آخره- وهو عقباه- وفي وسطه- وهو حالة كونه في قبره- وقوله تعالى: وله الحمد في السماوات والأرض كلام معترضين بين المعطوف والمعطوف عليه وفيه لطيفة، وهو أن الله تعالى لما أمر العباد بالتسبيح كأنه بين لهم أن تسبيحهم الله لنفعهم لا لنفع يعود على الله، فعليهم أن يحمدوا الله إذا سبحوه، ثم إن التنزيه المأمور به يشمل التنزيه بالقلب، وهو الاعتقاد الجازم واللسان- وهو الذكر- الحسن، وبالأركان- وهو العمل الصالح- فالإنسان إذا اعتقد شيئا ظهر من قلبه على لسانه، وإذا قال ظهر صدقه في مقاله من أحواله، وأفعاله،
واللسان، ترجمان الجنان، والأركان، برهان اللسان، لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان، وهي مشتملة على الذكر باللسان، والقصد بالجنان: وهو تنزيه في التحقيق، فيجب حمل التسبيح على كل ما هو تنزيه،
صفحة ٢٢٧