493

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

محقق

محمد أمين الصناوي

الناشر

دار الكتب العلمية - بيروت

الإصدار

الأولى - 1417 هـ

والري من الشرب لا يقدح في الإخلاص لأن وجود الخبز وصفاته كلها بإيجاد الله وطلب الانتفاع بشيء خلقه الله لذلك لا يكون منافيا للرجوع بالكلية إلى الله إلا أن شرط هذا الإخلاص أن لا يقع بصر عقله على شيء من هذه الموجودات إلا ويشاهد بعين عقله أنها معدومة بذواتها وموجودة بإيجاد الله فحينئذ يرى ما سوى الله عدما محضا بحسب أنفسها ويرى نور وجوده تعالى وفيض إحسانه عاليا على الكل وإن يمسسك الله بضر أي إن يصبك بضر كمرض وفقر فلا كاشف له أي فلا رافع لذلك الضر إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله أي وإن يرد أن يصيبك بخير فلا دافع لعطيته الذي أرادك به ولم يستثن الله تعالى مع الإرادة، لأن إرادة الله تعالى قديمة لا تتغير بخلاف مس الضر فإنه صفة فعل.

قال الرازي: وتقديم الإنسان في اللفظ وهو المشار إليه بالخطاب دليل على أن المقصود هو الإنسان أما سائر الخيرات فهي مخلوقة لأجله يصيب به أي يخص بالفضل الواسع المنتظم لما أرادك به من الخير من يشاء من عباده ممن كان أهلا لذلك وهو الغفور أي البالغ الستر للذنوب الرحيم (107) أي البالغ في الإكرام قل مخاطبا لأولئك الكفرة لأجل أن تنقطع معذرتهم يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم وهو القرآن العظيم المشتمل على محاسن الأحكام فمن اهتدى بالإيمان به فإنما يهتدي لنفسه أي فمنفعة اهتدائه لها خاصة ومن ضل بالإعراض عنه فإنما يضل عليها أي فوبال الضلال مقصور على نفسه وما أنا عليكم بوكيل (108) أي بحفيظ موكول إلى أمركم وإنما أنا بشير ونذير فلا يجب على السعي في إيصالكم إلى الثواب وفي تخليصكم من العذاب واتبع ما يوحى إليك أي يؤمر لك في القرآن من تبليغ الرسالة واصبر على ما يطرأ عليك من مشاق التبليغ حتى يحكم الله بالأمر بالقتال وهو خير الحاكمين (109) فحكم بالجهاد وبالجزية على أهل الكتاب وأنشد بعضهم في الصبر شعرا فقال:

سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري ... وأصبر حتى يحكم الله في أمري

سأصبر حتى يعلم الصبر أنني ... صبرت على شيء أمر من الصبر

صفحة ٤٩٨