تفسير المنار
الكاتب: أحمد بن تيمية
إبطال وحدة الوجود والرد على القائلين بها
لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية
﵁
وموسى لما قال لآدم: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال آدم ﵇
فيما قال لموسى: لِمَ تلومني على أمر قدّره الله عليَّ قبل أن أُخْلَقَ بأربعين عامًا؟
فحج آدم موسى؛ لم يكن آدم ﵇ محتجًا على فعل ما نهي عنه بالقدر، ولا
كان موسى ممن يحتج عليه بذلك فيقبله، بل آحاد المؤمنين لا يفعل مثل هذا،
فكيف آدم وموسى؟ وآدم قد تاب مما فعل واجتباه ربه وهدى، وموسى أعلم بالله
من أن يلوم من هو دون نبي على فعل تاب منه، فكيف بنبي من الأنبياء؟ وآدم
يعلم أنه لو كان القدر حجة لم يحتج إلى توبة ولم يجر ما جرى من خروجه من
الجنة وغير ذلك، ولو كان القدر حجة لكان لإبليس وغيره، وكذلك موسى يعلم أنه
لو كان القدر حجة لم يعاقب فرعون بالغرق ولا بنو إسرائيل بالصعقة وغيرها،
كيف وقد قال موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (القصص:
١٦) وقال: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الغَافِرِينَ﴾ (الأعراف: ١٥٥)،
وهذا باب واسع، وإنما كان لوم موسى لآدم من أجل المصيبة التي لحقت بآدم من
أكل الشجرة، ولهذا قال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ واللوم لأجل المصيبة
التي لحقت الإنسان نوع، واللوم لأجل الذنب الذي هو حق الله نوع آخر، فإن الأب
لو فعل فعلًا افتقر به حتى تضرر بنوه، فأخذوا يلومونه لأجل ما لحقهم من الفقر لم
يكن هذا كلومه لأجل كونه أذنب، والعبد مأمور أن يصبر على المقدور، ويطيع
المأمور، وإذا أذنب استغفر كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ
لِذَنْبِكَ﴾ (غافر: ٥٥) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن
يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن: ١١) .
قال طائفة من السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله
فيرضى ويسلم، فمن احتج بالقدر على ترك المأمور، وجزع من حصول ما كرهه
من المقدور، فقد عكس الإيمان والدين، وصار من حزب الملحدين المنافقين،وهذا
حال المحتجين بالقدر، فإن أحدهم إذا أصابته مصيبة عظم جزعه وقل صبره، فلا
ينظر إلى القدر، ولا يسلم له، وإذا أذنب ذنبًا أخذ يحتج بالقدر، فلا يفعل المأمور
ويترك المحظور، ولا يصبر على المقدور، ويدعي مع هذا أنه من كبار أولياء الله
المتقين، وأئمة المحققين الموجدين، وإنما هو من أعداء الله الملحدين، وحزب
الشيطان اللعين، وهذا الطريق إنما يسلكه أبعد الناس عن الخير والدين والإيمان،
تجد أحدهم أخير الناس إذا قدر، وأعظمهم ظلمًا وعدوانًا، وأذل الناس إذا قهر،
وأعظم جزعًا ووهنًا، كما جربه الناس من الأحزاب البعيدين عن الإيمان بالكتاب
والمقابلة من أصناف الناس، والمؤمن إن قدر عدل وأحسن، وإن قهر وغلب صبر
واحتسب كما قال كعب بن زهير في قصيدته التي أنشدها للنبي ﷺ،
التي أولها بانت سعاد إلخ في صفة المؤمنين:
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... يومًا وليسوا مجازيعًا إذا نيلوا
وسئل بعض العرب عن شيء من أمور النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال:
رأيته يَغْلِب فلا يبطر، ويُغلب فلا يضجر، وقد قال تعالى: ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنْتَ
يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ
يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: ٩٠) وقال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ
يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ (آل عمران: ١٢٠) وقال تعالى: ﴿إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم
مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (آل عمران:
١٢٥)، وقال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (آل
عمران: ١٨٦) فذكر الصبر والتقوى في هذه المواضع الأربعة، فالصبر يدخل
فيه الصبر على المقدور، والتقوى يدخل فيها فعل المأمور، فمن رزق هذا وهذا
فقد جمع له الخير، بخلاف من عكس فلا يتقي الله؛ بل يترك طاعته متبعًا لهواه
ويحتج بالقدر، ولا يصبر إذا ابتلى، ولا ينظر حينئذ إلى القدر، فإن هذا حال
الأشقياء، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري،
أي مذهب وافق هواك تمذهبت به، يقول: أنت إذا أطعت جعلت نفسك خالقًا
لطاعتك، فتنسى نعمة الله عليك كي [١] أنه جعلك مطيعًا له، وإذا عصيت لم
تعترف بأنك فعلت الذنب؛ بل تجعل نفسك بمنزلة المجبور عليه بخلاف مراده أو
المحرك الذي لا إرادة له، ولا قدرة ولا علم وكلاهما خطأ.
وقد ذكر أبو طالب المكي عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: إذا عمل
العبد حسنة فقال: أي ربي أنا فعلت هذه الحسنة، قال له ربه: أنا يسرتك لها،
وأنا أعنتك عليها، فإن قال: أي ربي أنت أعنتني عليها، ويسرتني لها، قال له
ربه: أنت عملتها وأجرها لك، وإذا فعل سيئة فقال: أي ربي قُدِّرَت عليَّ هذه
السيئة، قال له ربه: أنت اكتسبتها وعليك وزرها، قإن قال: أي ربي إني أذنبت
هذا الذنب وأنا أتوب منه، قال له ربه: أنا قدرته عليك وأنا أغفره لك، وهذا باب
مبسوط في غير هذا الموضع.
وقد كثر في كثير من المنتسبين إلى المشيخة والتصوف شهود القدر فقط من
غير شهود الأمر والنهي، والاستناد إليه في ترك المأمور وفعل المحظور، وهذا
أعظم الضلال، ومن طرد هذا القول والتزم لوازمه كان أكفر من اليهود والنصارى
والمشركين، لكن أكثر من يدخل في ذلك يتناقض ولا يطرد قوله.
وقول هذا القائل هو من هذا الباب فقوله: آدم كان أمره بكُلْ باطنًا فأكل،
وإبليس كان توحيده ظاهرًا فأمر بالسجود لآدم فرآه غيرًا، فلم يسجد فغير الله عليه
وقال: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا﴾ (الأعراف: ١٨) الآية، فإن هذا مع ما فيه من الإلحاد
كذب على آدم وإبليس، فآدم اعترف بأنه هو الفاعل للخطيئة وإنه هو الظالم لنفسه،
وتاب من ذلك ولم يقل: إن الله ظلمني، ولا أن الله أمرني في الباطن بالأكل،
قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ٣٧) وقال تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: ٢٣) وإبليس أصر واحتج بالقدر، فقال:
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الحجر: ٣٩)
وأما قوله: رآه غيرًا نحلم يسجد؛ فهذا شر من الاحتجاج بالقدر، فإن هذا قول أهل
الوحدة الملحدين وهو كذب على إبليس، فإن إبليس لم يمتنع من السجود لكونه
غيرًا، بل قال: ﴿َأنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف:
١٢)، ولم تؤمر الملائكة بالسجود لكون آدم ليس غيرًا، بل المغايرة بين الملائكة
وآدم ثابتة معروفة والله تعالى يقول: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى
المَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا
عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ (البقرة: ٣١-٣٢)، وكانت الملائكة وآدم
معترفين بأن الله مباين لهم وهم مغايرون له، ولهذا قالوا: دعوه دعاء العبد، فآدم
يقول: (ربنا ظلمنا أنفسنا) والملائكة تقول: ﴿لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (البقرة:
٣٢) وتقول: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا
سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ﴾ (غافر: ٧) الآية، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ
تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الجَاهِلُونَ﴾ (الزمر: ٦٤)، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ
أَتَّخِذُ وَلِيًاّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَم﴾ (الأنعام: ١٤)، وقال:
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (الأنعام: ١١٤) فلو
لم يكن هناك غيره لم يكن المشركون أمروا بعبادة غير الله، ولا اتخاذ غير الله وليًّا
ولا حكمًا، فلم يكونوا يستحقون الإنكار، فلما أنكر عليهم ذلك دل على ثبوت
غير يمكن عبادته واتخاذه وليًّا وحكمًا، وأنه من فعل ذلك فهو مشرك بالله كما قال
تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (القصص: ٨٨)، وقال: ﴿لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ
إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾ (الإسراء: ٢٢) وأمثال ذلك.
وأما قول القائل: إن قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران:
١٢٨) عين الإثبات للنبي ﷺ كقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال: ١٧) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ
فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: ١٠) فهذا بناه على قول أهل الوحدة والاتحاد، وجعل معنى
قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران: ١٢٨) أي فعلك هو فعل الله
لعدم المغايرة وهذا ضلال عظيم من وجوه:
(أحدهما): إن قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران: ١٢٨)
نزل في سياق قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ*
لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (آل عمران:
١٢٧-١٢٨)، وقد ثبت في الصحيح (أن النبي ﷺ كان يدعو
على قوم من الكفار أو يلعنهم في القنوت) فلما أنزل الله هذه الآية ترك، فعلم أن
معناها إفراد الرب تعالى بالأمر وأنه ليس لغيره أمر، بل إن شاء الله تعالى قطع
طرفًا من الكفار وإن شاء كبتهم فانقلبوا بالخسارة، وإن شاء تاب عليهم، وإن شاء
عذبهم، وهذا كما قال في الآية الأخرى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًاّ إِلاَّ مَا
شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (الأعراف:
١٨٨) ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ
كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (آل عمران: ١٥٤) .
(الوجه الثاني): إن قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال: ١٧) لم يرد به أن فعل العبد هو فعل الله تعالى كما تظنه طائفة من
الغالطين، فإن ذلك لو كان صحيحًا لكان ينبغي أن يقال: لكل أحد حتى يقال:
للماشي ما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى، ويقال: للراكب ما ركبت إذ ركبت
ولكن الله ركب، ويقال للمتكلم ما تكلمت إذ تكلمت ولكن الله تكلم، ويقال مثل ذلك:
للآكل والشارب والصائم والمصلي ونحو ذلك، وطرد ذلك يستلزم أن يقال للكافر:
ما كفرت إذ كفرت ولكن الله كفر، ويقال للكاذب ما كذبت إذ كذبت ولكن الله كذب،
ومن قال: مثل هذا فهو ملحد خارج عن العقل والدين، ولكن معنى الآية أن
النبي ﷺ يوم بدر رماهم، ولم يكن في قدرته أن يوصل الرمي
إلى جميعهم فإنه إذا رماهم بالتراب، وقال: شاهت الوجوه، ولم يكن في قدرته أن
يوصل ذلك إليهم كلهم، فالله تعالى أوصل ذلك الرمي إليهم بقدرته، يقول وما
أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل، فالرمي الذي أثبته له ليس هو الرمي الذي
نفاه عنه وهو الإيصال والتبليغ، وأثبت له الحذف والإلقاء، وكذلك إذا رمى سهمًا
فأوصلها بقدرته.
(الوجه الثالث): نه لو فرض أن المراد بهذه الآية: أن الله خالق أفعال
العباد فهذا المعنى حق، وقد قال الخليل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (البقرة:
١٢٨) فالله هو الذي يجعل المسلم مسلمًا.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ
الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (المعارج: ١٩-٢١) فالله هو الذي خلقه هلوعًا، لكن ليس في هذا
أن الله هو العبد، ولا أن وجود الخالق هو وجود المخلوق، ولا أن الله حالٌّ في
العبد. فالقول: بأن الله خالق أفعال العباد حق، والقول: بأن الخالق حال في
المخلوق أو وجوده وجود المخلوق باطل، وهؤلاء ينتلقون من القول بتوحيد
الربوبية إلى القول بالحلول والاتحاد، وهذا عين الضلال والإلحاد.
(الوجه الرابع): إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه﴾ (الفتح: ١٠) لم يُرِد أنك أنت الله، وإنما أراد أنك أنت رسول الله ومبلغ أمره
ونهيه فمن بايعك فقد بايع الله، كما أن من أطاعك فقد أطاع الله، ولم يرد بذلك أن
الرسول هو الله، ولكن الرسول أَمر بما أمر الله به، فمن أطاعه فقد أطاع الله كما
قال النبي ﷺ: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد
أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني) ومعلوم
أن أميره ليس هو إياه، ومن ظن في قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه﴾ (الفتح: ١٠) أن المراد به أن فعلك هو فعل الله، أو المراد أن الله حال فيك
ونحو ذلك، فهو مع جهله وضلاله بل كفره وإلحاده قد سلب الرسول خاصيته
وجعله مثل غيره، وذلك أنه لو كان المراد به أنه خالق لفعلك لكان هنا قدر مشترك
بينه وبين سائر الخلق، وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله، ومن بايع مسيلمة فقد
بايع الله، ومن بايع قادة الأحزاب فقد بايع الله، وعلى هذا التقدير فالمبايع هو الله
أيضًا، فيكون الله قد بايع الله إذ الله خالق لهذا ولهذا، وكذلك إذا قيل: بمذهب أهل
الحلول والوحدة والاتحاد فإنه عام عندهم في هذا وهذا، فيكون الله قد بايع الله،
وهذا يقوله: كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية، حتى إن أحدهم إذا أُمِرَ بقتال العدو
يقول أقاتل الله؟ ما أقدر أن أقاتل الله ونحو هذا الكلام الذي سمعناه من شيوخهم،
وبيّنا فساده لهم وضلالهم غير مرة.
وأما الحلول الخاص فليس هو قول هؤلاء؛ بل هو قول النصارى ومن
وافقهم من الغالية [٢] وهو باطل أيضًا، فإن الله سبحانه قال له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ
الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (آل عمران: ١٢٨)، وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (الجن: ١٩)، وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (الإسراء: ١)،
وقال: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (البقرة: ٢٣)، وقال:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ
السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (الفتح: ١٨-١٩) .
فقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (الفتح:
١٨) يبين قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (الفتح: ١٠) ولهذا
قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم﴾ (الفتح: ١٠)، ومعلوم أن يد النبي صلى الله تعالى
عليه وسلم كانت مع أيديهم كانوا يصافحونه ويصفقون على يده في البيعة، فعلم أن
يد الله التي فوق أيديهم ليست هي يد النبي ﷺ، ولكن الرسول عبد
الله ورسوله فبايعهم عن الله وعاهدهم وعاقدهم عن الله، فالذين بايعوه بايعوا الله
الذي أرسله وأمره ببيعتهم، ألا ترى أن كل من وكّل شخصًا بعقد مع الوكيل كان
ذلك عقدًا مع الموكل، ومن وكل نائبًا له في معاهدة قوم فعاهدهم عن مستنيبه، كانوا
معاهدين لمستنيبه، ومن وكّل رجلًا في نكاح أو تزوج كان الموكل هو الزوج الذي
وقع له العقد، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ
لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ (التوبة: ١١١) الآية، ولهذا قال في تمام الآية: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا
عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: ١٠) .
فتبين أن قول ذلك الفقير هو القول الصحيح، وأن الله إذا كان قد قال لنبيه
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْء﴾ (آل عمران: ١٢٨) فإيش نكون نحن وقد ثبت عنه
صلى الله تعالى عليه وسلم في الصحيح أنه قال: (لا تطروني كما أطرت
النصارى المسيح بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) .
(لها بقية)
«يتبع بمقال تالٍ»
(١) كذا في الأصل ولعل صوابه (في) وحذفه أولى.
(٢) هم فرق الباطنية وآخرهم البهائية.
25 / 665