الكاتب: محمد رشيد رضا
_________
الطبيب الدجال
كلنا في الهوى سوا
لدينا قصة نقصها على إخواننا الغربيين الذين يستوقفهم عند أرصفة الأزبكية
اجتماع بعض الجهلاء على أحد الدجالين أو العرافين فيقفون ساخرين منهم
مستهزئين بالأمم الشرقية كلها، حاسبين أنها على شاكلة أولئك الجهلاء.
ذلك أن رجلًا دجالًا سيق إلى المحاكمة في إحدى عواصم أوروبا لإقدامه على
التطبيب بلا رخصة من الحكومة. ولما وقف أمام المحكمة سأله القاضي بصرامة:
ما حملك أيها الرجل على مخالفة القانون؛ أما علمت أن العقاب مفروض على كل
طبيب لا يكون في يده شهادة قانونية؟
فلم يحر الدجال جوابًا، ولكنه مد يده إلى جيبه وأخرج منها ورقة كبيرة ثم قال:
إليك شهادتي القانونية أيها القاضي، فإنني ممن أتموا دروسهم الطبية في كلية
باريس، وقد نلت منها لقب دكتور في الطب كما ترى في هذه الشهادة. ولما أن
أنهيت دروسي خيل لي أنى بلغت أوج السعادة. فاستأجرت منزلًا ونقشت على
نحاسة وضعتها على بابه هاته الكلمة: (دكتور في الطب)، ثم لبثت أنتظر وفود
الناس علي للمعالجة، فمرت الأسابيع والشهور ولم يأتني أحد مستشفيًا. فصرت إلى
الفقر المدقع وعلمت أن تمسكي بتلك الشهادة لا يغني عني فتيلًا. فألقيت بها إلى
جانب، وكسرت الأمَارة النحاسية، وتحولت إلى منزل صغير، وتظاهرت بمظهر
الأطباء الدجاجلة، فتقاطر عليَّ الناس للاستشفاء من كل الجهات، ووفد عليَّ ذوو
العلل فعالجتهم وربحت أموالًا عظيمة. ومازلت على ذلك حتى ألقى الشرطي القبض
عليَّ ظنًا منه أنني من الدجالين. وقد علمتم أن الذي ألجأني إلى إخفاء شهادتي ولقبي
رغبتي في اكتساب ثقة الشعب، فأطلب الآن إلى المحكمة أن تحكم ببراءتي.
فأَدْهَشَ السامعين هذا الحديثُ وبرأت المحكمة الرجل بالحال!
قالت الجريدة - التي نقلنا عنها هذه القصة -: إن هذه الحادثة عار على العلم
وعلى الشعب. قلنا: عار على العلم؛ لأنه قد عجز إلى الآن عن تنوير أذهان
العامة واكتساب ثقتهم. وعار على الشعب؛ لأنها تدل على جهله وإيثاره أوهام
الدجاجلة على الحقائق العلمية الثابتة. وإلا فما معنى إعراض الشعب عن ذلك
الرجل دكتورًا، وإقبالهم عليه دجالًا؟ ! هذا، ولا يبعد أن يفقد الرجل ثقة الشعب
فيه حين يظهر لهم أنه من الأطباء القانونيين، وإذا وقع ذلك كان منتهى الجهل
والغباوة.
ونتيجة ما تقدم أنه لا يصح إطلاق القول في ذم شعب أو مدحه استنادًا على
اختبار بعض أفراده. وإن لنا أن نعير الغربيين بأولئك الأغمار الذين لا يثقون إلا
بالدجاجلة، إذا عُيِّرْنَا بالأغمار الذين يجتمعون في أرصفة الأزبكية لضرب الرمل
واستنطاق الحصى، فلا يسخرن أحد من بسطائنا وجهلائنا، فإن لهم في الأمم
الأوروبية أقتالًا وأمثالًا من البسطاء (وكلنا في الهوى سوا) . اهـ ما اخترناه من
الجزء الثالث.
_________
1 / 67