1264

معارج الآمال لنور الدين السالمي- حسب الكتب

ولعل حكمة النهي عن قتله: ما يحكى عن عكرمة قال: إنما صرف سليمان - عليه السلام - عن ذبح الهدهد؛ لأنه كان بارا بأبويه ينقل الطعام إليهما في حال كبرهما.

قال الجاحظ: وهو وفاء حفوظ ودود، وذلك أنه إذا غابت أنثاه لم يأكل ولم يشرب ولم يشتغل بطلب طعم ولا غيره ولا يقطع الصياح حتى تعود إليه؛ فإن حدث حادث أعدمه إياها لم يفسد بعدها أنثى أبدا، ولم يزل صائحا عليها ما عاش، ولم يشبع بعدها أبدا بطعم، بل ينال منه ما يمسك رمقه إلى أن يشرف على الموت، فعند ذلك ينال منه يسيرا.

فيحتمل أن يكون النهي عن قتله مكافأة على بره بأبويه، كما ذكره عكرمة في ترك ذبح سليمان - عليه السلام - إياه. ويحتمل أن يكون جزاء له على وفائه، ورحمة له على فقد إلفه كما ذكره الجاحظ من صفاته. ويحتمل أن يكون لأجل ذلك كله وأن يكون لغير ذلك أيضا.

ثم وجدت في "الذهب الخالص" أن النهي عن قتل الهدهد؛ لأنه أحب أن يعبد الله حيث لم يعبد، والله أعلم.

التنبيه الخامس: فيما يلزم القاتل لشيء من هذه الحيوانات

اعلم أنهم قد اختلفوا فيما يلزم من قتل شيئا من هذه /380/ المذكورات:

- فمنهم: من أوجب عليه دية على ذلك.

- ومنهم: من لم يوجبها عليه، وهذا القول هو الظاهر من مذهب أصحابنا المشارقة؛ لأنهم لم يذكروا لها ديات، بل ولا خصوها بحكم من بين سائر الحيوانات؛ فالظاهر من سيرتهم أنهم لم يهملوا أحكامها إلا وهي عندهم داخلة تحت جملة الحيوانات التي ذكروها.

ثم اختلف القائلون بثبوت الدية:

فمنهم من قال: إن دية كل واحد منها درهمان إلا الضفدع فديتها نعجة بجزتها، (أي: وافرة الصوف بحيث بلغ أن يجز).

صفحة ٣٧