معالم القربة في طلب الحسبة
الناشر
دار الفنون «كمبردج»
تصانيف
•الأحكام السلطانية
مناطق
•إيران
الإمبراطوريات و العصور
السلاجقة (فارس، العراق، سوريا)، ٤٣١-٥٩٠ / ١٠٤٠-١١٩٤
وَعِنْدَ الْوَاعِظِ تَتَرَقْرَقُ الْعُيُونُ بِالدُّمُوعِ عَلَى الْخُدُودِ وَبِبَرَكَتِهِ يُزْدَادُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إذَا رَأَيْتُمْ رِيَاضَ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا فِيهَا قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ» .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ اللَّهَ ﷿ أَوْحَى إلَى مُوسَى ﵇ أَنْ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ رِيَاضًا تُنْبِتُ الْمَغْفِرَةَ قَالَ مُوسَى وَمَا هِيَ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ فِيهَا دُعَاةٌ يَدْعُونَ إلَيَّ وَأَلْوِيَتُهُمْ مِثْلُ أَلْوِيَةِ الْأَنْبِيَاءِ يَحُثُّونَ عِبَادِي عَلَى الْخَيْرِ فَيُبْكُونَهُمْ وَيُزَهِّدُونَهُمْ وَيُرَغِّبُونَهُمْ وَيُحَبِّبُونَهُمْ إلَى عِبَادِي، أُولَئِكَ لَهُمْ الرَّحْمَةُ وَالْمَغْفِرَةُ وَالرِّضْوَانُ الْأَكْبَرُ.
وَلِلْوَاعِظِ شُرُوطٌ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَقِيمَ اللِّسَانِ حَسَنَ الْبَيَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]، وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ إشَارَةٍ وَرُمُوزٍ، فَقَدْ قِيلَ رُبَّ إشَارَةٍ أَبْلَغُ مِنْ عِبَارَةٍ وَرُبَّ لَحْظٍ أَبْلَغُ مِنْ لَفْظٍ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: الْوَاعِظُ الَّذِي إذَا دَخَلْتَ بَيْتَهُ تَعِظُكَ آلَةُ بَيْتِهِ فَتَرَى إنَاءَ الْوُضُوءِ وَسَجَّادَةَ الصَّلَاةِ.
وَمِنْ الْمَكْرُوهَاتِ كَلَامُ الْقُصَّاصِ وَالْوُعَّاظِ الَّذِينَ يَمْزُجُونَ بِكَلَامِهِمْ الْبِدَعَ فَالْقَاصُّ إنْ كَانَ يَكْذِبُ فِي أَخْبَارِهِ فَهُوَ فِسْقٌ وَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ وَكَذَا الْوَاعِظُ الْمُبْتَدِعُ يَجِبُ مَنْعُهُ فَلَا يَجُوزُ حُضُورُ مَجْلِسِهِ إلَّا عَلَى قَصْدِ إظْهَارِ الرَّدِّ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلَا يَجُوزُ حُضُورُ سَمَاعِ الْبِدْعَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] وَمَهْمَا كَانَ الْوَاعِظُ شَابًّا مُتَزَيِّنًا لِلنِّسَاءِ فِي ثِيَابِهِ وَهَيْئَتِهِ كَثِيرَ الْأَشْعَارِ وَالْإِشَارَاتِ وَالْحَرَكَاتِ، وَقَدْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ النِّسَاءُ فَهَذَا مُنْكَرٌ يَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ، فَإِنَّ الْفَسَادَ أَكْثَرُ مِنْ الصَّلَاحِ وَيَبِينُ ذَلِكَ مِنْهُ بِقَرَائِنِ أَحْوَالِهِ بَلْ
1 / 181