426

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف

محقق

ياسين محمد السواس

الناشر

دار ابن كثير

الإصدار

الخامسة

سنة النشر

١٤٢٠ هجري

مكان النشر

بيروت

وإِذا كانت النُّفُوسُ كِبَارًا … تَعِبَتْ في مُرَادِها الأَجْسَامُ (^١)
قال عمر بن عبد العزيز: إِنَّ لي نفسًا تَوَّاقةً، ما نالَتْ شيئًا إِلَّا تاقَتْ إِلى ما هو أفضلُ منه، وإِنَّها لمَّا نالَتْ هذه المنزِلَة - يعني الخلافة - وليس في الدنيا منزلةٌ أعلَى منها، تاقَتْ إِلى ما هو أعلى من الدنيا، يعني الآخِرَةَ.
على قدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تأتي العَزَائمُ … وتأتي علَى قدْرِ الكِرامِ المكارِمُ (^٢)
قِيمةُ كُلِّ إِنسان ما يطلُبُ؛ فمن كان يطلبُ الدنيا فلا أدنى منه؛ فإِنَّ الدنيا دنيَّة، وأدنَى منها مَن يطلبها، وهي خسِيسَةٌ؛ وأخسُّ منها من يخطُبُها (^٣). قال بعضُهم: القلوبُ جوَّالةٌ، فقلْبٌ يجولُ حولَ العَرْشِ، وقلْبٌ يجولُ حول الحشِّ (^٤). الدُّنيا كلُّها حشٌّ، وكُلُّ ما فيها من مَطْعَمٍ ومَشْربٍ يؤول إِلى الحشّ، وما فيها من أجسامٍ ولباسٍ يصير ترابًا، كما قيل (^٥):
* وَكُلُّ الَّذي فَوْقَ التُّرابِ تُرَابُ *
وقال بعضُهم في يوم عيدٍ لإِخوانه: هل تنظرون إِلَّا خِرَقًا تبلَى، أو لحمًا يأكلُه الدُّود غدًا. وأمَّا مَن كان يطلبُ الآخرة فقدْرُهُ خطيرٌ؛ لأنَّ الآخِرَةَ خطيرةٌ شريفةٌ؛ ومن يطلبها أشْرفُ منها، كما قيل:
أُثامِنُ (^٦) بالنَّفْسِ النَّفيسة ربَّها … وليس لها في الخَلْقِ كُلِّهم ثَمَنْ

(^١) في آ، ب، ش، ط: "الأجساد"، والتصحيح من نسخة (ع) وديوان المتنبي ٢/ ٢٤٥، من قصيدة في مدح سيف الدولة الحمداني، مطلعها:
أينَ أَزْمَعْتَ أيُّهذا الهُمَامُ … نحنُ نَبْتُ الرُّبَى وأنتَ الغَمامُ
(^٢) مطلع قصيدة مشهورة للمتنبي، يمدح فيها سيف الدولة ويذكر بناءه ثغر الحدث. (ديوانه ٢/ ٢٦٩).
(^٣) في آ، ش: "عظَّمها".
(^٤) الحش، بضم الحاء وفتحها: المخرج؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، والجمع حشوش. وفي الحديث: "إِنَّ هذه الحُشوش محتضرة" يعني الكُنُف ومواضِعَ قضاء الحاجة. ومن معاني الحش: البستان، والنخل المجتمع، والمتوضأ.
(^٥) عجز بيت للمتنبي (ديوانه ١/ ١٤٠)، وتمامه:
إِذا نِلْتُ مِنْكَ الوُدَّ فالمالُ هَيِّنٌ … وكُلُّ الذي فَوْقَ التُّراب تُرَابُ
(^٦) أي: أساوم. يقال: ثامَنتُ الرجل في المبيع أُثامِنُه، إِذا قاوَلته في ثمنه وساومته على بيعه واشترائه. (اللسان: ثمن).

1 / 433