ذكر الله تكون عليه يوم القيامة ترَةً. فوا أسفاه على زمان ضاع في غير طاعته! وواحسرتاه على وقتٍ فات (^١) في غير خدمته!.
مَنْ فاتَهُ أن يَرَاكَ يومًا … فَكُلُّ أوقاتِهِ فوَاتُ
وحيثما كنْتُ من بلادٍ … فلي إلى وَجْهِكَ التفاتُ
[إليكُمُ هِجْرَتي وقَصْدِي … وأنتُمُ المَوْتُ والحياةُ
أمِنْتُ أن توحِشُوا فؤادِي … فآنِسُوا مقلتي ولاتُ] (^٢)
مَن عمِل طاعةً من الطاعات وفرغَ منها، فعلامةُ قَبولها أن يصلَها بطاعةٍ أخرى، وعلامةُ رَدِّها أن يعقِبَ تلك الطاعة بمعصيةٍ. ما أحسَنَ الحسَنَةَ بَعْدَ السيئة تمحوها (^٣)! وأحسَنُ منها الحَسَنَةُ بَعْدَ الحسنة تتلوها. وما أقبَحَ السيئةَ بعدَ الحسنةِ تمحقُها وتعفُوها! ذنبٌ واحِدٌ بعدَ التوبة أقبَحُ مِن سبعين ذنبًا قبلَها. النكسة أصعب (^٤) من المرض، وربما أهلَكَتْ. سلوا الله الثبات على الطَّاعاتِ إلى الممات، وتعوَّذُوا به من تقلُّب القلوب، ومِنَ الحَوْر بعد الكَوْرِ (^٥). ما أوحشَ ذلّ المعصيةِ بَعْدَ عزِّ الطاعة، وأفحشَ (^٦) فقر الطمع بعد غنى القناعة.
ارحموا عزيز قوم بالمعاصي ذَلَّ، وغنِيَّ قومٍ بالذُّنوب افتقر.
تَرَى الحيَّ الأولى بانُوا … على العَهْدِ كما كانُوا
أَمِ الدَّهْرُ بهم خانُوا … وَدَهْرُ المَرْءِ خَوَّانُ
إذا عَزَّ بغَيْرِ الله … يومًا مَعْشَرٌ هَانُوا
يا شُبَّانَ التوبةِ، لا تَرجِعُوا إلى ارتضاعِ ثَدْي الهَوَى من (^٧) بعد الفطام، فالرَّضاع إنما يصلُح للأطفال لا للرجال. ولكن لا بُدّ مِن الصّبْرِ على مَرَارة الفِطام؛ فإنْ صَبَرْتُم
(^١) في ط: "قلب بات"، وفي ب: "قلب فات".
(^٢) ما بين قوسين لم يرد في آ، ش، ع.
(^٣) في آ، ب: "تمحها"، بالجزم.
(^٤) في ط: "أصعب من الضعفة".
(^٥) وفي الحديث: "نعوذ بالله من الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْر"، أي من النقصان بعد الزيادة. وقيل: من فساد أمورنا بعد صلاحها. وقيل: من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنَّا منهم، وأصله: من نَقْض العِمامة بعد لفِّها. (النهاية ١/ ٤٥٨).
(^٦) في ط: "وأوحش منه".
(^٧) لفظ "من" لم يرد في آ، ش، ع.