خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر
الناشر
دار صادر
مكان النشر
بيروت
العثمانية كَثِيرَة وخيراتهم غزيرة من آثاره الَّتِي بقسطنطينية الْجَامِع الَّذِي لم يعْمل مثله فِي إنشائه وَأَحْكَام بنائِهِ ودقة صنائعه إِلَى غير ذَلِك وَله سِتّ منارات حَسَنَة الْوَضع إِلَى الْغَايَة وداخله مزين بأنواع الْقَنَادِيل من البلور والقاشاني والسدف وَغير ذَلِك وَفِيه كل أعجوبة لَا نَظِير لَهَا وَلما تمّ وَضعه هادته مُلُوك الأقاليم بالتحف من قناديل الذَّهَب وَغَيرهَا لتَعلق فِيهِ وَبَلغت مصارف نَفَقَته نَحْو نَفَقَة عمَارَة جَامع بني أُميَّة بِدِمَشْق فَإِنَّهُ يُقَال أَن الْوَلِيد بن عبد الْملك الْخَلِيفَة الْأمَوِي أنْفق عَلَيْهِ أَرْبَعمِائَة صندوق من الذَّهَب فِي كل صندوق أحد عشر ألف مِثْقَال من الذَّهَب وَفِي خَارجه الْمَكَان الْمَعْرُوف بآت ميداني وَهُوَ ميدان وَاسع وَبِه رصد من نُحَاس على شكل أَفْعَى قيل أَنه كَانَ رصدا للحيات لَكِن الْآن بَطل عمله فَإِن السُّلْطَان مُرَاد ولد صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ كسر مِنْهُ قِطْعَة فَبَطل عمله لذَلِك ويروى أَنه بعد تَمام بنائِهِ واستحكامه كَانَ بَقِي فِي أحد جوانبه إعوجاج بِسَبَب بَيت صَغِير كَانَ لعجوز وَقد أرغبت بِالْمَالِ الْكثير لتبيعه فَأَبت فاتفق أَنَّهَا مَاتَت عَن غير وَارِث وَآل الْبَيْت إِلَى بَيت المَال فأضيف إِلَى الْجَامِع وتناسب بذلك وَضعه وَمِمَّا قيل فِيهِ من التواريخ تَارِيخ الْمولى مُحَمَّد بن عبد الْغَنِيّ قَاضِي الْعَسْكَر وَهُوَ قَوْله
(ذَا جَامع مؤسس ... على تقى الرب المتين)
(بناه سُلْطَان الورى ... بعد لَهُ الجزل الرزين)
(سمى أَحْمد الْهدى ... ظلّ إِلَه الْعَالمين)
(حاولت تَارِيخا لَهُ ... من نَص قُرْآن مُبين)
(فجَاء فِيهِ قَوْله ... لنعم دَار الْمُتَّقِينَ)
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن هَذَا السُّلْطَان أعظم سلاطين آل عُثْمَان قدرا وَكَانَت وِلَادَته فِي سَابِع عشر شهر رَجَب سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَقيل فِي تَارِيخه حفظه الله وابتدأه الْمَرَض فِي شَوَّال سنة سِتّ وَعشْرين وَألف بقرحة فِي ظَهره وَأخْبر عَنهُ مصطفى آغا ضَابِط الْحرم أَنه قبل مَوته بِيَوْم وَكَانَ قبل الْعَصْر صَار يَقُول وَعَلَيْكُم السَّلَام إِلَى أَن قَالَ ذَلِك أَربع مَرَّات قَالَ مصطفى آغا تسلمون على من فَقَالَ حضر لي فِي هَذَا الْوَقْت سيدنَا أَبُو بكر الصّديق وَسَيِّدنَا عمر وَسَيِّدنَا عُثْمَان وَسَيِّدنَا عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَقَالُوا لي أَنَّك تَجْتَمِع بسُلْطَان الدُّنْيَا وَالْآخِرَة سيدنَا مُحَمَّد
فِي غَد مثل هَذَا الْوَقْت فَكَانَ كَمَا قَالَ فَمَاتَ فِي ثَانِي يَوْم وَهُوَ يَوْم الْأَرْبَعَاء
1 / 291