خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار
محقق
حافظ ثناء الله الزاهدي
الناشر
دار ابن حزم
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٢٤ هجري
مكان النشر
بيروت
خلاصة الأفكار
شرح مختصر المنار
تأليف
زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي
المتوفى عام ٨٧٩هـ
حققه وعلق حواشيه
حافظ ثناء الله الزاهدي
دار ابن حزم
1 / 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وبعد:
فإن الفقير إلى رحمة ربه الغني قاسم الحنفي يقول: قد قرأ عليّ الجناب العالي الفخري عثمان بن أغلبك الحلبي الحنفي «مختصر المنار» [في أصول الفقه] للشيخ الإمام طاهر بن الحسن بن عمر بن حبيب الحلبي، فأمليت عليه [أي شرحت «المختصر»] ما يحلّ ألفاظه وهو قوله:
[أصول الشرع]
(أصول الشرع) الأصول: جمع أصل، والأصل ما يبتني عليه
1 / 47
غيره، [والفرع ما يبتنى على غيره].
والمراد هنا الأدلة الشرعية لابتناء الأحكام عليها، والشرع بمعنى المشروع، والمراد به الأحكام المشروعة، والمراد من الحكم المحكوم به، وهو ما يثبت بالخطاب كالوجوب والحرمة وغيرهما.
كأنه قال: أدلة الأحكام المشروعة:
(الكتاب) قدمه؛ لأنه أصل من كل وجه
(والسنة) أخَّرها عن الكتاب؛ لتوقف حجيتها عليه،
(وإجماع الأمة) أخره عنهما لتوقف حجيته عليهما،
(والقياس) أخره؛ لأنه فرعٌ بالنسبة إلى الأدلة المتقدمة؛ لأن حكمَه مستفادٌ منها في كلِّ حادثة، بعدما ثبتَ حجَّيتُه بالكتاب والسنة، بخلاف الإجماع، فإنه لا يتوقَّف في كلِّ حادثة على ما تقدَّمه.
1 / 48
[الكتاب]
أما الكتاب الذي سبق ذكره (فالقرآن) وهو معروف عند كل أحد، فكان تعريفًا؛ لأنه بهذا أشتهر، إلا أنه يقال على الصفة القديمة، وعلى ما بين دفتي المصحف، واستدلال [أهل] الأصولي بالثاني.
فلذلك قال: (المنقول متواترًا)؛ ليخصَّ ما يستدلّ به بعد زمان الرسول ﷺ
(وهو): أي القرآن (نظم): أي ألفاظ مرتَّبةٌ بعضُها على بعض، (ومعنى) مستفادٌ من ذلك النظم، ذكرَه لرفع وهم مَن توهَّم أنه عندنا اسم للمعنى فقط؛ لقول أبي حنيفة ﵀ بجواز القراءة في الصلاة بالفارسية مع القدرة على العربية وهذا مرجوع عنه وقد علم الوجه في المطولات.
1 / 49
(وأقسامها): أي النظم والمعنى (أربعة)، وهذا باعتبار ما يتعلَّق به الأحكام، وإلا فأقسامهما أكثر من ذلك؛ لأنه بحرٌ عميقٌ فيه علم التوحيد، والقصص، والأمثال، والحكم، وغير ذلك.
واختاروا هذا التقسيم لاستغراقه الاعتبارات من أول وضع الواضع إلى آخر فهم السامع؛ لأن أداء المعنى باللفظ الخارجي على قانون الوضع يستدعي وضع الواضع، ثم دلالته أي كونه بحيث يفهم منه المعنى، ثم استعماله، ثم فهم المعنى.
فللفظ بتلك الاعتبارات الأربع تقسيمات مربعة - إلا الثاني فإنه مثمن - تسمى أقسامهما:
وجوه النظم صيغة ولغة: أي صورة ومادة.
ووجوه البيان: أي إظهار المراد بحسب الدلالة الواضحة أو الخفية؛ لحكمة الابتلاء بأحد الوجهين.
ووجوه الاستعمال.
ووجوه الوقف: أي اطلاع السامع على مراد المتكلم ومعنى الكلام.
والمرجع في الحصر: الاستقراء.
1 / 50
[أقسام الكلمة باعتبار وضعه للمعنى]
(١) الخاص
الأول: أي القسم الأول من الأقسام الأربعة (في وجوه) أي طرق (النظم) قيل: لا يناسب المقام إذ لا معنى لطريق النظم، ولعل الوجه بمعنى الجهة التي هي بمعنى الاعتبار، فكأنه قال: في اعتبارات النظم.
(وهو): أي القسم الأول: (الخاص) وهو (ما) أي لفظ (وضع لمعنى) أي واحد، احترازًا عن المهمل، فإنه لا معنى له، وعن المشترك، فإنه وضع لأكثر من معنى.
والمَعْني: بالمعنى: المدلول، لا ما يقابل العين؛ ليتناول قسمي الخاص الحقيقي: كزيد، والاعتباري: كإنسان ورجل على ما سيأتي.
(معلوم) خرج به على المجمل؛ لأن معناه غير معلوم للسامع.
(على الانفراد):أي من حيث هو واحد، مع قطع النظر عن أن يكون أفراد أوْ لا.
واحترز به عن العام: كالمسلمين فإنه موضوع لمعنى واحد شامل لأفراد، ولا يخفى أن ترك هذا أولى بالاختصار.
(جنسًا) كان الخاص كإنسان فإن معناه واحد معلوم، وهو
1 / 51
الحيوان الناطق.
(أو نوعًا) كرجل فإن معناه واحد معلوم، وهو إنسان ذكر جاوز حد الصغر.
(أو عينًا) كزيد، فإن معناه واحد معلوم، وهو ذات مشخصة.
(وحكمه) أي حكم الخاص وهو الأثر الثابت به (تناول المخصوص)، وهو مدلول الخاص (قطعًا) أي تناولًا قاطعًا إرادة غيره عنه،
1 / 52
وهذا عند مشايخ العراق خلافًا لمشايخ سمرقند، ومذهبهم مردود باتفاق العرف، حيث لا يعتبرون احتمالًا لا عن دليل أصلًا، فلا يفرون من جدار لا شق فيه ويعدون الخائف منه مجنونًا.
(بلا احتمال بيان): أي بيان التفسير، لينفي زعم مَن قال: الخاص يحتمل البيان؛ لأن بيانه إما إثبات الثابت، أو إزالة الزائل، وكلاهما فاسد.
1 / 53
[أقسام الخاص]
الأمر
(ومنه): أي من الخاص (الأمر)، وهو قول القائل لمَن دونه افعل، مرادًا به الطلب.
(ويختص): أي مدلول الأمر (بصيغة) فلا يعرف بدونها (لازمة) أي مختصة به، كما هو مختص بها.
(فلا يكون الفعل موجبًا)؛ لأن الوجوب بالأمر، والأمر مختص بصيغته.
1 / 55
(وموجبه): أي الذي يوجبه الأمر المطلق هو (الوجوب) أي لزوم الإتيان بالمأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وسواء كان الأمر (بعد الحظر): أي المنع نحو: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.
(أو قبله)؛ لأن المقتضى للوجوب، وهو الصيغة قائم في الحالين، وما جاء للإباحة بعد الحظر فلدليل غير الصيغة.
1 / 57