الخراجيات
محقق
مؤسسة النشر الإسلامي
الناشر
مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم
الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤١٣ هجري
مكان النشر
قم
[تمهيد المؤلف] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أيد كلمة الحق بالبراهين القاطعة، وأعلى كلمة الصدق بالحجج اللامعة، ودرج أباطيل المفترين بالدلائل الدامغة، وأذل أعناق المغالطين بالبينات القامعة، والصلاة والسلام على المبعوث بخير الأديان محمد المختار من شجرة بني عدنان، وعلى آله الأطهار المهتدين، وعترته الأخيار الحفظة للدين.
وبعد:
فإني لما توالى على سمعي تصدى جماعة من المتسمين بسمة الصلاح، وثلة من غوغاء الهمج الرعاع، أتباع كل ناعق الذين أخذوا من الجهالة بحظ وافر، واستولى عليهم الشيطان فحل منهم في سويداء الخاطر لتقريض العرض وتمزيق الأديم، والقدح بمخالفة الشرع الكريم، والخروج عن سواء النهج القويم، - حيث إنا لما لزمنا الإقامة ببلاد العراق، وتعذر علينا الانتشار في الآفاق للأسباب ليس هذا محل ذكرها لم نجد بدا من التعلق بالقرية لدفع الأمور الضرورية من لوازم متممات المعيشة، مقتفين في ذلك أثر جمع كثير من العلماء وجم غفير من الكبراء الأتقياء، اعتمادا على ما ثبت بطريق من أهل البيت - عليهم السلام من أن أرض العراق ونحوها مما فتح عنوة بالسيف لا يملكها مالك مخصوص، بل هي للمسلمين قاطبة يؤخذ منها الخراج والمقاسمة، ويصرف
صفحة ٣٧
في مصارفه التي بها رواج الدين، بأمر إمام الحق من أهل البيت عليهم السلام، كما وقع في أيام أمير المؤمنين عليه السلام.
وفي حال غيبته عليه السلام قد أذن؟؟ عليهم السلام لشيعتهم في تناول ذلك من سلاطين الجور، كما سنذكره مفصلا. فلذا تداوله العلماء الماضون والسلف الصالحون غير مستنكر ولا مستهجن.
وفي زماننا حيث استولى الجهل على أكثر أهل العصر، واندرس بينهم معظم الأحكام، وأخفيت مواضع الحلال والحرام هدرت شقاشق الجاهلين، وكثرت جرأتهم على أهل الدين، استخرت الله تعالى، وكتبت في تحقيق هذه المسألة " رسالة " ضمنتها ما نقله فقهاؤنا في ذلك من الأخبار عن الأئمة الأطهار - عليهم السلام، وأودعتها ما صرحوا به في كتبهم من الفتوى: " بأن ذلك حلال لا شك فيه، وطلق لا شبهة تعتريه "، على وجه بديع، تذعن له قلوب العلماء، ولا تمجه أسماع الفضلاء. واعتمدت في ذلك أن أبين في هذه المسألة التي أفل بدرها وجهل قدرها، غيرة على عقائل المسائل، لا حرصا على حطام هذا العاجل، ولا تفاديا من تعريض جاهل، فإن لنا بموالينا أهل البيت عليهم السلام أعظم أسوة وأكمل قدوة، فقد قال الناس فيهم الأقاويل، ونسبوا إليهم الأباطيل، وبملاحظة " لو كان المؤمن في جحر ضب يبرد كل غليل " مع أني لم اقتصر فيما أشرت إليه على مجرد ما نبهت عليه. بل أضفت إلى ذلك من الأسباب التي تثمر الملك وتفيد الحل، ما لا يشوبه شك، ولا يلحقه لبس من شراء حصة من الأشجار، والاختصاص بمقدار معين من البذر. فقد ذكر أصحابنا طرقا للتخلص من الربا، وإسقاط الشفعة ونحوها مما هو مشهور متداول، بل لا ينفك منها إلا القليل النادر. وقد استقر في النفوس قبوله وعدم النفرة منه، مع أن ما اعتمدته في ذلك: أولى بالبعد عن الشبهة، وأحرى بسلوك جادة الشريعة.
ولم أودع في هذه الرسالة من الفتوى إلا ما اعتقدت صحته، وأقدمت على
صفحة ٣٨
لقاء الله تعالى به، مع علمي بأن من خلا قبله من الهوى، وبصر بصيرته من الغوى، وراقب الله تعالى في سريرته وعلانيته، لا يجد بدا من الاعتراف به، والحكم بصحته.
وسميتها: قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج، ورتبتها على مقدمات خمس، ومقالة، وخاتمة. وسألت الله تعالى أن يلهمني إصابة الحق، ويجنبني القول بالهوى، إنه ولي ذلك، والقادر عليه.
صفحة ٣٩
المقدمة الأولى في أقسام الأرضين وهي في الأصل على قسمين:
أحدهما:
أرض بلاد الإسلام، وهي على قسمين أيضا: عامر وموات، فالعامر: مسك لأهله لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن ملاكه. والموات: إن لم يجر عليه ملك مسلم فهو لإمام المسلمين يفعل به ما يشاء، وليس هذا القسم من محل البحث المقصود.
القسم الثاني:
ما ليس كذلك، وهو على أربعة أقسام:
أحدها: ما يملك بالاستغنام ويؤخذ قهرا بالسيف، وهو المسمى ب (المفتوح عنوة).
وهذه الأرض للمسلمين قاطبة لا يختص بها المقاتلة عند أصحابنا كافة، خلافا لبعض العامة (1)، ولا يفضلون فيها على غيرهم ، ولا يتخير الإمام بين قسمتها ووقفها وتقرير أهلها عليها بالخراج، بل يقبلها الإمام عليه السلام لمن
صفحة ٤٠
يقوم بعمارتها بما يراه من النصف أو الثلث أو غير ذلك. وعلى المتقبل إخراج مال القبالة الذي هو حق الرقبة. وفيما يفضل في يده إذا كان نصابا إما العشر أو نصف العشر.
ولا يصح التصرف في هذه الأرض بالبيع والشراء والوقف وغير ذلك.
وللإمام عليه السلام أن ينقلها من متقبل إلى آخر، إذا انقضت مدة القبالة أو اقتضت المصلحة ذلك. وله التصرف فيها بحسب ما يراه الإمام عليه السلام من المصلحة للمسلمين.
وانتفاع الأرض يصرف إلى المسلمين وإلى مصالحهم، وليس للمقاتلة فيه الأمثل ما لغيرهم من النصيب في الارتفاع.
وثانيها: أرض من أسلم أهلها عليها طوعا من غير قتال.
وحكمها أن تترك في أيديهم ملكا لهم يتصرفون فيها بالبيع والشراء والوقف وسائر أنواع التصرف، إذا قاموا بعمارتها.
ويؤخذ منهم العشر أو نصفه زكاة بالشرائط.
فإن تركوا عمارتها وتركوها خرابا كانت للمسلمين قاطبة، وجاز للإمام عليه السلام أن يقبلها ممن يعمرها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع ونحو ذلك.
وعلى المتقبل بعد إخراج حق القبالة، ومؤونة الأرض، مع وجود النصاب العشر أو نصفه. وللإمام عليه السلام أن يعطي أربابها حق الرقبة من القبالة، على المشهور.
أفتى به الشيخ رحمه الله في المبسوط (1) والنهاية (2)، وأبو الصلاح (3) وهو الظاهر
صفحة ٤١
من عبارة المحقق نجم الدين في الشرائع (1)، واختاره العلامة في المنتهى (2) و التذكرة (3) والتحرير (ط).
وابن حمزة (5) وابن البراج ذهبا إلى أنها تصير للمسلمين قاطبة وأمرها إلى الإمام عليه السلام. وكلام شيخنا في الدروس (6) قريب من كلامهما فإنه قال: " يقبلها الإمام عليه السلام بما يراه ويصرفه في مصالح المسلمين ".
وابن إدريس (7) منع من ذلك كله، وقال: " إنها باقية على ملك الأول، ولا يجوز التصرف فيها إلا بإذنه ". وهو متروك.
احتج الشيخ بما رواه صفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر (8)، قال: " ذكرنا له الكوفة وما وضع عليها من الخراج وما سار فيها أهل بيته ، فقال:
من أسلم طوعا تركت أرضه في يده وأخذ منه العشر مما سقت السماء والأنهار، ونصف العشر مما كان بالرشا فيما عمروه منها، وما لم يعمروه منها أخذه الإمام عليه السلام فقبله ممن يعمره، وكان للمسلمين، وعلى المتقبلين في حصصهم العشر أو نصف العشر " (9).
وفي الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: " ذكرت لأبي الحسن الرضا عليه السلام الخراج وما سار به أهل بيته، فقال: العشر ونصف العشر على من أسلم تطوعا تركت أرضه في يده، وأخذ منه العشر أو نصف العشر فيما عمر منها، وما لم يعمر أخذه الوالي فقبله ممن يعمره وكان للمسلمين، وليس
صفحة ٤٢
فيما كان أقل من خمسة أوساق شئ. وما أخذ بالسيف فذلك للإمام عليه السلام يقبله بالذي يرى كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله بخيبر " (1).
واعترض في المختلف (2) بأن السؤال وقع عن أرض الخراج ولا نزاع فيه، بل النزاع في أرض من أسلم أهلها عليها. ثم أجاب ب: أن الجواب وقع أولا عن أرض من أسلم أهلها عليها، ثم إنه عليه السلام أجاب عن أرض العنوة.
إذا عرفت ذلك فاعلم: أن العلامة في المختلف احتج بهاتين الروايتين على مختار الشيخ والجماعة، وهما في الدلالة على مختار ابن حمزة وابن البراج أظهر.
ثم احتج لهما برواية (3) لا تدل على مطلوبهما (4) بل ولا تلتئم مع مقالتهما، وليس لنا في بيان ذلك كثير فائدة. نعم، بمقتضى الروايتين: المتجه ما ذهبا إليه.
وثالثها: أرض الصلح، وهي: كل أرض صالح أهلها عليها.
وهي أرض الجزية، فيلزمهم ما يصالحهم الإمام - عليه السلام عليه من
صفحة ٤٣
نصف أو ثلث أو ربع أو غير ذلك، وليس عليهم شئ سواه.
فإذا أسلم أربابها، كان حكم أرضهم حكم أرض من أسلم طوعا ابتداء، ويسقط عنهم الصلح لأنه جزية.
ويصح لأربابها التصرف فيها بالبيع والشراء والهبة وغير ذلك.
وللإمام عليه السلام أن يزيد وينقص ما يصالحهم عليه بعد انقضاء مدة الصلح حسب ما يراه من زيادة الجزية ونقصانها.
ولو باعها المالك من مسلم : صح، وانتقل ما عليها إلى رقبة البائع وهذا إذا صولحوا على أن الأرض لهم.
أما لو صولحوا على أن الأرض للمسلمين وعلى أعناقهم الجزية كان حكمها حكم الأرض المفتوحة عنوة، عامرها للمسلمين ومواتها للإمام - عليه السلام.
ورابعها:
أرض الأنفال، وهي: كل أرض انجلى أهلها عنها وتركوها، أو كانت مواتا لغير مالك فأحييت، أو كانت آجاما وغيرها مما لا يزرع فاستحدثت مزارع، فإنها للإمام عليه السلام - خاصة لا نصيب لأحد معه فيها، وله التصرف فيها بالبيع والشراء والهبة والقبض، حسب ما يراه، وكان له أن يقبلها بما يراه من نصف أو ثلث أو ربع ويجوز له نزعها من يد متقبلها إذا انقضت مدة القبالة، إلا ما أحييت بعد موتها، فإن من أحياها أولى بالتصرف فيها إذا تقبلها بما يتقبلها غيره، فإن أبى كان للإمام نزعها من يده وتقبيلها لمن يراه، وعلى المتقبل بعد إخراج مال القبالة فيما يحصل: العشر أو نصفه.
مسائل الأولى: تقسيم الأرضين إلى هذه الأقسام الأربعة بعينه موجود في كلام
صفحة ٤٤
الشيخ في المبسوط والنهاية، بل تكاد عبارته تطابق العبارة المذكورة هنا. والظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في ذلك. فقد ذكره كذلك جماعة من المتأخرين كابن إدريس، والمحقق ابن سعيد، والعلامة في مطولاته " كالمنتهى " و " التذكرة "، ومتوسطاته " كالتحرير "، ومختصراته " كالقواعد " و " الإرشاد " وكذا شيخنا الشهيد في " الدروس ".
الثانية: قال الشيخ (1): " كل موضع أو جبنا فيه العشر أو نصف العشر من أقسام الأرضين إذا أخرج الإنسان مؤونته ومؤونة عياله لسنته - وجب عليه فيما بقي بعد ذلك الخمس لأهله " وهو متجه.
الثالثة: ما يؤخذ من هذه الأراضي: إما مقاسمة بالحصة، أو ضريبة تسمى (الخراج)، يصرف لمن له رقبة تلك الأرض.
فما كان من المفتوح عنوة فمصرفه للمسلمين قاطبة. وكذا ما يؤخذ من أرض الصلح أعني " الجزية ".
وما يؤخذ مما أسلم أهلها عليها إذا تركوا عمارتها: على ما سبق (2).
وما كان من أرض الأنفال: فهو للإمام عليه السلام وسيأتي تفصيل بعض ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
صفحة ٤٥
المقدمة الثانية في حكم المفتوح عنوة أعني المأخوذ بالسيف قهرا لأن فيه معنى الإذلال، ومنه قوله تعالى: " و عنت الوجوه للحي القيوم " أي: ذلت.
وفيه مسائل الأولى: قد قدمنا أن هذه الأرض للمسلمين قاطبة، لا يختص بها المقاتلة، لكن إذا كانت محياة وقت الفتح. ولا يصح بيعها والحالة هذه ولا وقفها ولا هبتها، بل يصرف الإمام عليه السلام حاصلها في مصالح المسلمين مثل: سد الثغور ومعونة الغزاة وبناء القناطر، ويخرج منها أرزاق القضاة والولاة وصاحب الديون وغير ذلك من مصالح المسلمين.
ذهب إلى ذلك أصحابنا كافة.
قال الشيخ في " المبسوط " (1) عندما ذكر هذا القسم من الأرضين:
" ويكون للإمام النظر فيها وتقبيلها وتضمنها بما شاء، ويأخذ ارتفاعها ويصرفه في مصالح المسلمين وما ينوبهم: من سد الثغور ومعونة المجاهدين وبناء القناطر وغير ذلك من مصالح المسلمين، وليس للغانمين في هذه الأرض خصوصا شئ، بل هم والمسلمون سواء، ولا يصح بيع شئ من هذه الأرضين ولا هبته ولا معاوضته ولا تمليكه ولا وقفه ولا رهنه ولا إجارته ولا إرثه. ولا يصح
صفحة ٤٦