273

============================================================

وقال غيره: كان يحضر مجلس أبي حنيفة رضي الله عنه، فقال أبو حنيفة يوما في تقريره: أما الأداة(1) فقد أحكمناها. فقال له داود رحمه الله: فما بقي ؟ قال: العمل بما علمناه . فاعتزله وتزهد وتعبد، وانقطع لذلك حتى صار في المجاهدة فحلا من الفحول، هجر الوطن ووقف المواقف التي تهول، وثبت حيث الأقدام تزل، والأحلام تحول.

وأتاه بعض رفقائه في الدرس فقال: يا أبا سليمان، جفوتتا. فقال: ليس مجلسكم ذاك من أمر الآخرة في شيء، أستغفر الله، أستغفر الله . ثم قام وتركه.

وقيل: إنما سبب توبته أن امرأة جاءث إلى أبي حنيفة رحمه الله تسأله عن مسألة، فأجابها، فأغجبت بجوابه، ثم قالت: هذا العلم، فأين العمل؟ فأثر كلامها في قلب داود رحمه الله، فاعتزل وتعبد، فصار عظيم الشأن علما وعملا وزهدا وورعا.

وكان إذا خرج مشى في الطرق المهجورة البعيدة، فيقال له: الطريق من هاهنا أقرب. فيقول: فر من الناس فرارك من الأسد.

ومكث أربعا وستين سنة أعزب، فقيل له: أما تستوجش؟ فقال: حالث وحشة القبر بيني وبين وحشة الذنيا وأهلها.

وكان قدورث من أمه أربع مثة درهم، فمكث يتقوث بها ثلاثين عاما.

وكان الغالب عليه الحزن، وكان يقول: إلهي، همك عطل علي الهموم، وحال بيني وبين الرقاد.

ومن كلامه: إنما شرع تعلم العلم ليعمل به الطالب أولا فأؤلا، فإذا قطع عمره في تحصيله فمتى العمل ؟

وقال: علامة كمال الژهد في الدنيا ترك مجالسة أهلها، وعيادتهم إذا مرضوا إلآ بنية خالصة عن العلل.

(1) في المطبوع و (ب): الأدلة.

13 21 الطبقات الصوفية 1/21

صفحة ٢٧٣