160

الكامل في التاريخ

محقق

عمر عبد السلام تدمري

الناشر

دار الكتاب العربي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٧هـ / ١٩٩٧م

مكان النشر

بيروت - لبنان

مناطق
العراق
الامبراطوريات
الأيوبيون
لِأَصْحَابِهِ: أَلَا تَرَوْنَ الْبَحْرَ قَدْ فَرَقَ مِنِّي وَانْفَتَحَ لِي حَتَّى أُدْرِكَ أَعْدَائِي؟ فَلَمَّا وَقَفَ فِرْعَوْنُ عَلَى أَفْوَاهِ الطُّرُقِ لَمْ تَقْتَحِمْهُ خَيْلُهُ، فَنَزَلَ جَبْرَائِيلُ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى وَدِيقٍ، فَشَمَّتَ الْحُصُنُ رِيحَهَا فَاقْتَحَمَتْ فِي أَثَرِهَا حَتَّى إِذَا هَمَّ أَوَّلُهُمْ أَنْ يَخْرُجَ وَدَخَلَ آخِرُهُمْ أُمِرَ الْبَحْرُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ فَالْتَطَمَ عَلَيْهِمْ فَأَغْرَقَهُمْ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ.
وَانْفَرَدَ جَبْرَائِيلُ بِفِرْعَوْنَ يَأْخُذُ مِنْ حَمْأَةِ الْبَحْرِ فَيَجْعَلُهَا فِي فِيهِ، وَقَالَ حِينَ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَغَرِقَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِيكَائِيلَ يُعَيِّرُهُ، فَقَالَ لَهُ: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] . وَقَالَ جَبْرَائِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا أَدُسُّ مِنْ حَمْأَةِ الْبَحْرِ فِي فَمِ فِرْعَوْنَ مَخَافَةَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةً يَرْحَمُهُ اللَّهُ بِهَا.
فَلَمَّا نَجَا بَنُو إِسْرَائِيلَ قَالُوا: إِنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَغْرَقْ. فَدَعَا مُوسَى فَأَخْرَجَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ غَرِيقًا، فَأَخَذَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَتَمَثَّلُونَ بِهِ، ثُمَّ سَارُوا فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فَقَالُوا ﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] . فَتَرَكُوا ذَلِكَ.
ثُمَّ بَعَثَ مُوسَى جُنْدَيْنِ عَظِيمَيْنِ كُلُّ جُنْدٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا إِلَى مَدَائِنِ فِرْعَوْنَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ خَالِيَةٌ مِنْ أَهْلِهَا قَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ عُظَمَاءَهُمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ، وَلَمْ يُبْقِ غَيْرَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ وَالزَّمْنَى، وَالْمَرْضَى، وَالْمَشَايِخِ، وَالْعَاجِزِينَ، فَدَخَلُوا الْبِلَادَ وَغَنِمُوا الْأَمْوَالَ وَحَمَلُوا مَا أَطَاقُوا وَبَاعُوا مَا عَجَزُوا عَنْ حَمْلِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَ عَلَى الْجُنْدَيْنِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالَبُ بْنُ يُوفَنَّا.
وَكَانَ مُوسَى قَدْ وَعَدَهُ اللَّهُ وَهُوَ بِمِصْرَ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْهَا وَأَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُمْ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِكِتَابٍ فِيهِ مَا يَأْتُونَ وَمَا يَذَرُونَ، فَلَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَأَنْجَى بَنِي

1 / 164