وأقبل الطبيب فسمع من الباشا، وتحدث إليه، وامتحنه، ولكنه لم يغن عنه شيئا، وما كان الطبيب ليغني عنهما ولا عن غيرهما شيئا، فما هي إلا أيام حتى كثر هذا الشخص أو كثرت صور هذا الشخص في القرية، وجعل كل واحد من أهل القرية يراه حين يغدو إلى عمله مع الفجر، وحين يروح إلى أهله مع الأصيل، وجعل كل واحد من أهل القرية يسمع منه، ويتحدث إليه مصبحا، وممسيا. يرتاع لمنظره وصوته أول الأمر، ثم يألف منظره ويطمئن إلى صوته، ويشتاق إلى أن يراه بين الفجر والأصيل، ويشتاق إلى أن يسمعه في كل ساعة من ساعات الليل والنهار.
وقد جعل أهل القرية يتحدثون إذا التقوا عن هؤلاء الفتيات الحسان اللاتي يعرضن لهم في الغلس حين يطلق النهار سهمه المضيء فيشق به ظلمات الليل، وفي الأصيل حين يطلق الليل سهمه المظلم فيبدد به ضوء النهار، وجعل أهل القرية يتحدثون عن هؤلاء الفتيات الحسان المطمعات المغريات اللاتي يبدون لهم، ويدنون منهم، ويدعونهم إليهن في شيء من الفتنة، ولكنها فتنة نقية لا إثم فيها ولا حرج، ولا لوم فيها ولا تثريب.
وجعل أهل القرية يسألون الشيخ عن هذا الحديث الغريب الذي ألم بقريتهم منذ حين، فغير حياة الناس فيها تغيرا شديدا، وأثار في قلوبهم آمالا لا حد لها، ويأسا لا حد له، وغير رأي بعضهم في بعض، وغير رأيهم جميعا في الباشا هذا الذي كانوا يؤمنون له، ويذعنون لسلطانه، ويرون طاعته عليهم حقا، ويرون أنهم ملك له كما أن أرضه ملك له ... إلا أنهم يحيون والأرض لا تحيا، ويرون أنهم ملك له كما أن ماشيته ملك له، إلا أنهم يعقلون وينطقون والماشية لا تعقل ولا تنطق، تغير رأيهم هذا في الباشا فأصبحوا يرونه واحدا منهم، لا يمتاز من بينهم بشيء، فهو رجل من الرجال يذهب ويجيء، ويأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويتكلم بالصواب حينا وبالخطأ أحيانا، وإذن فلم يستأثر من دونهم بهذا النعيم! ولم يستطيل عليهم بهذا السلطان، ولم يسعد حتى تبطره السعادة، ويشقون هم حتى يضطرهم الشقاء إلى اليأس والقنوط! ولم تبسم الحياة له حتى يضيق بهذا الابتسام وتعبس الحياة لهم حتى يهلكهم هذا العبوس، ولم يكسل هو حتى يضطره الكسل إلى المرض، ويعملون هم حتى يضطرهم العمل إلى الموت.
شاعت هذه الأحاديث بين أهل القرية فامتلأت بها مجالسهم حين يجتمع بعضهم إلى بعض، وامتلأت بها بيوتهم حين يخلو كل منهم إلى أهله وذوي قرابته، وارتقت إلى الباشا فصادفته قلقا قد ملأ قلبه الخوف والاضطراب، وإذا هو يؤثر أن يترك القرية إلى القاهرة؛ ليتحدث عن محنته هذه في قريته إلى بعض أولي الرأي من أصحابه، ولا يكاد يبلغ القاهرة ويفضي بذات نفسه إلى بعض نظرائه حتى يسمع منه حديثا ليس أقل من حديثه خطرا، ولا أيسر منه شيئا، فأهل القرى كلهم يتحدث هذا الحديث، وأهل المصانع كلهم يتحدث هذا الحديث، والعاملون في الدواوين والمصارف والشركات، والعاملون في الشوارع والطرق والمواصلات كلهم يتحدث هذا الحديث. قد اختلط الأمر، وعظم الشك، وشاع في النفوس أمل لا حد له، وشاع في النفوس يأس لا حد له، وشاع في الجو كله سحاب لا يدري عما ينجلي، أعن أمن ورخاء، أم عن بؤس وشقاء، وكان عدد السكان في مصر ثمانية عشر من الملايين فأصبح عددهم ستة وثلاثين مليونا؛ لأن كل فرد من أفراد هؤلاء المصريين قد وكلت به فتاة حسناء حازمة صارمة باسمة تبعث ابتساماتها في القلوب أملا مخيفا، وكره الباشا أن يعود إلى قريته؛ لأنه كره فتاته تلك الحسناء في حديقته تلك الغناء، ولكنه خلا إلى نفسه ذات يوم في مكتبه المطل على النيل، وأراد أن يأخذ في بعض عمله، وإذا هو يحس حركة فإذا التفت رأى فتاته الحسناء، وعلى ثغرها ابتسامة ساحرة، وهي تقول في صوتها ذاك الضئيل الجميل: لا بد مما ليس منه بد، أقدم طائعا راضيا، فذلك خير من أن تقدم كارها مضطرا!
وقد كتب الباشا إلى الشيخ يدعوه إلى القاهرة؛ ليشاوره في بعض ما يمكن أن يصنع ليرضى الساخط، ويأمل القانط، ويأمن الخائف، ويعمل الكسل، محبا للعمل لا زاهدا فيه، قال الباشا للشيخ حين خلا إليه: ألا تنبئني عن هذا البلاء العظيم الذي نمتحن به في هذه الأيام الشداد؟ قال الشيخ مبتسما: لا تسلني أنا عن هذا البلاء، وسل عنه فتاة من هؤلاء الفتيات اللاتي ملأن علينا أرض مصر جمالا وأملا وخوفا وإشفاقا، قال الباشا: ومن عسى أن تكون هؤلاء الفتيات! قال الشيخ: لا أدري، ولكني كلما سألت واحدة منهن عن اسمها رفعت كتفيها وابتسمت عن ثغر جميل، وقالت ساخرة: تريد أن تعرف اسمي فاسمي هو «العدالة الاجتماعية».
البرق الخاطف
أنكريه يا سيدتي إن شئت أو اعرفيه. فكلا الأمرين منك سائغ، وكلا الأمرين منك مقبول، وإن تنكريه فقد أنكرت نعم شاعرها وشاعر الحجاز عمر بن أبي ربيعة، وإن تعرفيه فقد عرفت أسماء شاعرها وشاعر الحجاز عمر بن أبي ربيعة، وأنت يا سيدتي أدبية أربية تذكرين من غير شك ما تحدث به فتى قريش عن صاحبتيه حيث يقول:
قفي فانظري أسماء هل تعرفينه
أهذا المغيري الذي كان يذكر
أهذا الذي أطريت نعتا فلم أكن
صفحة غير معروفة