جامع البيان في تفسير القرآن
وإنا عنى بذلك: أن المنافقين متحيرون في دينهم، لا يرجعون إلى اعتقاد شيء على صحة فهم لامع المؤمنين على بصيرة، ولا مع المشركين على جهالة، ولكنهم حيارى بين ذلك، فمثلهم المثل الذي ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي: حدثنا به محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
" مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، لا تدري أيتهما تتبع "
وحدثنا به محمد بن المثنى مرة أخرى عن عبد الوهاب، فوقفه على ابن عمر ولم يرفعه، قال: ثنا عبد الوهاب مرتين كذلك. ثني عمران بن بكار، قال: ثنا أبو روح، قال: ثنا ابن عباس، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثله. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } يقول: ليسوا بمشركين فيظهروا الشرك، وليسوا بمؤمنين. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين بالشرك. قال: وذكر لنا أن نبي الله عليه الصلاة والسلام كان يضرب مثلا للمؤمن والمنافق والكافر، كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر، فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن، ناداه الكافر: أن هلم إلي فإني أخشى عليك! وناداه المؤمن: أن هلم إلي فإن عندي وعندي! يحصي له ما عنده. فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتي عليه الماء فغرقه، وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:
" مثل المنافق كمثل ثاغية بين غنمين رأت غنما على نشز، فأتتها فلم تعرف، ثم رأت غنما على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف "
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { مذبذبين } قال: المنافقون. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } يقول: لا إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولا إلى هؤلاء اليهود.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قوله: { مذبذبين بين ذلك } قال: لم يخلصوا الإيمان فيكونوا مع المؤمنين، وليسوا مع أهل الشرك. حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { مذبذبين بين ذلك }: بين الإسلام والكفر { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء }. وأما قوله: { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } فإنه يعني: من يخذ له الله عن طريق الرشاد وذلك هو الإسلام الذي دعا الله إليه عباده، يقول: من يخذ له الله عنه فلم يوفقه له، فلن تجد له يا محمد سبيلا: يعني طريقا يسلكه إلى الحق غيره. وأي سبيل يكون له إلى الحق غير الإسلام؟ وقد أخبر الله جل ثناؤه: أنه من يتبع غيره دينا فلن يقبل منه، ومن أضله الله عنه فقد غوى، فلا هادي له غيره.]
[4.144]
وهذا نهي من الله عباده المؤمنين أن يتخلقوا بأخلاق المنافقين الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فيكونوا مثلهم في ركوب ما نهاهم عنه من موالاة أعدائه. يقول لهم جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا توالوا الكفار فتوازروهم من دون أهل ملتكم ودينكم من المؤمنين، فتكونوا كمن أوجب له النار من المنافقين. ثم قال جل ثناؤه متوعدا من اتخذ منهم الكافرين أولياء من دون المؤمنين إن هو لم يرتدع عن موالاته وينجر عن مخالته أن يلحقه بأهل ولايتهم من المنافقين الذين أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتبشيرهم بأن لهم عذابا أليما: أتريدون أيها المتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ممن قد آمن بي وبرسولي أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا، يقول: حجة باتخاذكم الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فتستوجبوا منه ما استوجبه أهل النفاق الذين وصف لكم صفتهم وأخبركم بمحلهم عنده { مبينا } يعني: عن صحتها وحقيتها، يقول: لا تعرضوا لغضب الله بإيجابكم الحجة على أنفسكم في تقدمكم على ما نهاكم ربكم من موالاة أعدائه وأهل الكفر به. وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكفرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } قال: إن لله السلطان على خلقه، ولكنه يقول عذرا مبينا } قال: إن لله السلطان على خلقه، ولكنه يقول عذرا مبينا. حدثني المثنى، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن رجل، عن عكرمة، قال: ما كان في القرآن من سلطان فهو حجة. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { سلطنا مبينا } قال: حجة. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.]
[4.145]
يعني جل ثناؤه بقوله: { إن المنفقين فى الدرك الأسفل من النار }: إن المنافقين في الطبق الأسفل من أطباق جهنم. وكل طبق من أطباق جهنم درك، وفيه لغتان: درك بتسكينها، فمن فتح الراء جمعه في القلة أدراك، وإن شاء جمعه في الكثرة الدروك، ومن سكن الراء قال: ثلاثة أدرك، وللكثير: الدروك. وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: «في الدرك» بفتح الراء. وقرأته عامة قراء الكوفة بتسكين الراء. وهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، لاتفاق معنى ذلك واستفاضة القراءة بكل واحدة منهما في قراءة الإسلام. غيرأني رأيت أهل العلم بالعربية يذكرون أن فتح الراء منه في العرب أشهر من تسكينها، وحكموا سماعا منهم: أعطني دركا أصل به حبلي، وذلك إذا سأل ما يصل به حبله الذي قد عجز عن بلوغ الركية. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن عبد الله: { إن المنفقين فى الدرك الأسفل من النار } قال: في توابيت من حديد مبهمة عليهم. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن سلمة، عن خيثمة، عن عبد الله قال: إن المنافقين في توابيت من حديد مقفلة عليهم في النار. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عاصم، عن ذكوان، عن أبي هريرة: { إن المنفقين فى الدرك الأسفل من النار } قال: في توابيت ترتج عليهم. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { إن المنفقين فى الدرك الأسفل من النار } يعني: في أسفل النار. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال لي عبد الله بن كثير، قوله: { فى الدرك الأسفل من النار } قال: سمعنا أن جهنم أدراك، منازل. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن عبد الله: { إن المنفقين فى الدرك الأسفل من النار } قال: توابيت من نار تطبق عليهم. وأما قوله: { ولن تجد لهم نصيرا } فإنه يعني: ولن تجد لهؤلاء المنافقين يا محمد من الله إذا جعلهم في الدرك الأسفل من النار ناصرا ينصرهم منه، فينقذهم من عذابه، ويدفع عنهم أليم عقابه.]
صفحة غير معروفة