جامع البيان في تفسير القرآن
ذكر من قال ما قلنا في تأويل قوله: { فتذروها كالمعلقة }: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { فتذروها كالمعلقة } قال: تذروها لا هي أيم، ولا ذات زوج. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: { فتذروها كالمعلقة } قال: لا أيما ولا ذات بعل. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن مبارك، عن الحسن { فتذروها كالمعلقة } قال: لا مطلقة، ولا ذات بعل. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن، مثله. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فتذروها كالمعلقة }: أي كالمحبوسة أو كالمسجونة. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { فتذروها كالمعلقة } قال: كالمسجونة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن أبي جعفر، عن الربيع في قوله: { فتذروها كالمعلقة } يقول: لا مطلقة، ولا ذات بعل. حدثني المثنى، قال: ثني إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس في قوله: { فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } لا مطلقة، ولا ذات بعل. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني عن مجاهد: { فتذروها كالمعلقة } قال: لا أيما، ولا ذات بعل. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح: { فتذروها كالمعلقة } ليس بأيم، ولا ذات زوج. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي وأبو خالد وأبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك، قال: لا تدعها، كأنها ليس لها زوج. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فتذروها كالمعلقة } قال: لا أيما ، ولا ذات بعل. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { فتذروها كالمعلقة } قال: المعلقة: التي ليست بمخلاة ونفسها فتبتغي لها، وليست متهيئة كهيئة المرأة من زوجها، لا هي عند زوجها ولا مفارقة فتبتغي لنفسها، فتلك المعلقة. قال أبو جعفر: وإنما أمر الله جل ثناؤه بقوله: { فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } الرجال بالعدل بين أزواجهن فيما استطاعوا فيه العدل بينهن من القسمة بينهن والنفقة، وترك الجور في ذلك بإيثار أحداهن على الأخرى فيما فرض عليهم العدل بينهن فيه، إذ كان قد صفح لهم عما لا يطيقون العدل فيه بينهن، مما في القلوب من المحبة والهوى. القول في تأويل قوله تعالى: { وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما }. يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تصلحوا أعمالكم أيها الناس، فتعدلوا في قسمكم بين أزواجكم وما فرض الله لهن عليكم من النفقة والعشرة بالمعروف، فلا تجوروا في ذلك. { وتتقوا } يقول: وتتقوا الله في الميل الذي نهاكم عنه، بأن تميلوا لإحداهن على الأخرى، فتظلموها حقها مما أوجبها الله له عليكم. { فإن الله كان غفورا } يقول: فإن الله يستر عليكم ما سلف منكم من ميلكم وجوركم عليهن قبل ذلك بتركه عقوبتكم عليه، ويغطي ذلك عليكم بعفوه عنكم ما مضى منكم في ذلك قبل. { رحيما } يقول: وكان رحيما بكم إذا تاب عليكم، فقبل توبتكم من الذي سلف منكم من جورتكم في ذلك عليهن، وفي ترخيصه لكم الصلح بينكم وبينهن، بصفحهن عن حقوقهن لكم من القسم على أن يطلقن.]
[4.130]
يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أبت المرأة التي قد نشز عليها زوجها، أو أعرض عنها بالميل منها إلى ضرتها لجمالها أو شبابها، أو غير ذلك مما تميل النفوس به إليها الصلح، لصفحها لزوجها عن يومها وليلتها، وطلبت حقها منه من القسم والنفقة وما أوجب الله لها عليه، وأبي الزوج الأخذ عليها بالإحسان الذي ندبه الله إليه بقوله:
وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا
[النساء: 128] وإلحاقها في القسم لها والنفقة والعشرة بالتي هو إليها، مائل، فتفرقا بطلاق الزواج إياها { يغن الله كلا من سعته } يقول يغن الله الزوج والمرأة المطلقة من سعة فضله، أما هذه فبزوج هو أصلح لها من المطلق الأول، أو برزق واسع وعصمة وأما هذا فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلقة أو عفة. { وكان الله وسعا } يعني: وكان الله واسعا لهما في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه. { حكيما } فيما قضى بينه وبينها من الفرقة والطلاق، وسائر المعاني التي عرفناها من الحكم بينهما في هذه الآيات وغيرها وفي غير ذلك من أحكامه وتدبيره وقضاياه في خلقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } قال: الطلاق يغني الله كلا من سعته. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.]
[4.131]
يعني بذلك جل ثناؤه: ولله ملك جميع ما حوته السموات السبع والأرضون السبع من الأشياء كلها. وإنما ذكر جل ثناؤه بعقب ذلك قوله:
وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته
[النساء: 130] تنبيها منه خلقه على موضع الرغبة عند فراق أحدهم زوجته، ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوحشة بفراق سكنه وزوجته، وتذكيرا منه له أنه الذي له الأشياء كلها وأن من كان له ملك جميع الأشياء فغير متعذر عليه أن يغنيه، وكل ذي فاقة وحاجة، ويؤنس كل ذي وحشة. ثم رجع جل ثناؤه إلى عذل من سعي في أمر بني أبيرق وتوبيخهم ووعيد من فعل ما فعل المرتد منهم، فقال: { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتب من قبلكم وإيكم } يقول: ولقد أمرنا أهل الكتاب وهم أهل التوراة والإنجيل وإياكم، يقول: وأمرناكم وقلنا لكم ولهم: { اتقوا الله } يقول: احذروا أن تعصوه وتخالفوا أمره ونهيه، { وإن تكفروا } يقول: وإن تجحدوا وصيته إياكم أيها المؤمنون فتخالفوها، { فإن لله ما فى السموات وما في الأرض } يقول: فإنكم لا تضرون بخلافكم وصيته غير أنفسكم، ولا تعدون في كفركم ذلك أن تكونوا أمثال اليهود والنصارى في نزول عقوبته بكم وحلول غضبه عليكم كما حل بهم، إذ بدلوا عهده ونقضوا ميثاقه، فغير بهم ما كانوا فيه من خفض العيش وأمن السرب، وجعل منهم القردة والخنازير وذلك أن له ملك جميع ما حوته السموات والأرض لا يمتنع عليه شيء أراده بجميعه وبشيء منه من إعزاز من أراد إعزازه وإذلال من أراد إذلاله وغير ذلك من الأمور كلها، لأن الخلق خلقه بهم إليه الفاقة والحاجة، وبه قوامهم وبقاؤهم وهلاكهم وفناؤهم، وهو الغني الذي لا حاجة تحل به إلى شيء ولا فاقة تنزل به تضطره إليكم أيها الناس ولا إلى غيركم، والحميد الذي استوجب عليكم أيها الخلق الحمد بصنائعه الحميدة إليكم وآلائه الجميلة لديكم، فاستديموا ذلك يها الناس باتقائه، والمسارعة إلى طاعته فيما يأمركم به وينهاكم عنه. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف، عن أبي روق عن علي رضي الله عنه: { وكان الله غنيا حميدا } قال: غنيا عن خلقه { حميدا } قال: مستحمدا إليهم.]
صفحة غير معروفة