914

يقول الله جل ثناؤه: { والله يكتب ما يبيتون } يعني بذلك جل ثناؤه: والله يكتب ما يغيرون من قولك ليلا في كتب أعمالهم التي تكتبها حفظته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذى تقول } قال: يغيرون ما عهد نبي الله صلى الله عليه وسلم. حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا يوسف بن خالد، قال: ثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: { بيت طائفة منهم غير الذى تقول } قال: غير أولئك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثني أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذى تقول } قال: غير أولئك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذى تقول والله يكتب ما يبيتون } قال: هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بأمر قالوا: طاعة، فإذا خرجوا من عنده غيرت طائفة منهم ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم. { والله يكتب ما يبيتون } يقول: ما يقولون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: قوله: { ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذى تقول } قال: يغيرون ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذى تقول } وهم ناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بالله ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، فإذا برزوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفوا إلى غير ما قالوا عنده فعابهم الله، فقال: { بيت طائفة منهم غير الذى تقول } يقول: يغيرون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { بيت طائفة منهم غير الذى تقول }: هم أهل النفاق. وأما رفع «طاعة» فإنه بالمتروك الذي دل عليه الظاهر من القول، وهو: أمرك طاعة، أو منا طاعة. وأما قوله: { بيت طائفة } فإن التاء من بيت تحركها بالفتح عامة قراء المدينة والعراق وسائر القراء، لأنها لام فعل. وكان بعض قراء العراق يسكنها ثم يدغمها في الطاء لمقاربتها في المخرج. قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك، ترك الإدغام، لأنها أعني التاء والطاء من حرفين مختلفين وإذا كان كذلك كان ترك الإدغام أفصح اللغتين عند العرب، واللغة الأخرى جائزة أعني الإدغام في ذلك محكية. القول في تأويل قوله تعالى: { فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا }. يقول جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم: فأعرض يا محمد عن هؤلاء المنافقين الذين يقولون لك فيما تأمرهم: أمرك طاعة، فإذا برزوا من عندك خالفوا ما أمرتهم به وغيروه إلى ما نهيتهم عنه، وخلهم وما هم عليه من الضلالة، وارض لهم بي منتقما منهم، وتوكل أنت يا محمد على الله. يقول: أي وحسبك بالله وكيلا: أي فيما يأمرك، ووليا لها، ودافعا عنك وناصرا.

[4.82]

يعني جل ثناؤه بقوله: { أفلا يتدبرون القرءان } أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتساق معانيه وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه وأبان بعضه عن فساد بعض. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلفا كثيرا }: أي قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف. حدثني يونس،قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: إن القرآن لا يكذب بعضه بعضا، ولا ينقض بعضه بعضا، ما جهل الناس من أمره فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم. وقرأ: { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلفا كثيرا } قال: فحق على المؤمن أن يقول: كل من عند الله، ويؤمن بالمتشابه، ولا يضرب بعضه ببعض وإذا جهل أمرا ولم يعرف أن يقول: الذي قال الله حق، ويعرف أن الله تعالى لم يقل قولا وينقضه، ينبغي أن يؤمن بحقية ما جاء من الله. حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قوله: { أفلا يتدبرون القرءان } قال: يتدبرون النظر فيه.]

[4.83]

يعني جل ثناؤه بقوله: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به } وإذا جاء هذه الطائفة المبيتة غير الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من الأمن. فالهاء والميم في قوله: { وإذا جاءهم } من ذكر الطائفة المبيتة. يقول جل ثناؤه: وإذا جاءهم خبر عن سرية للمسلمين غازية بأنهم قد أمنوا من عدوهم بغلبتهم إياهم { أو الخوف } يقول: أو تخوفهم من عدوهم بإصابة عدوهم منهم { أذاعوا به } يقول: أفشوه وبثوه في الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أمراء سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والهاء في قوله: { أذاعوا به } من ذكر الأمر وتأويله: أذاعوا بالأمر من الأمن أو الخوف الذي جاءهم، يقال: منه أذاع فلان بهذا الخبر وأذاعه، ومنه قول أبي الأسود:

أذاع به في الناس حتى كأنه

بعلياء نار أوقدت بثقوب

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به } يقول: سارعوا به وأفشوه. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به } يقول: إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوهم، أو أنهم خائفون منهم، أذاعوا بالحديث حتى يبلغ عدوهم أمرهم. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به } يقول: أفشوه وشنعوا به. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به } قال: هذا في الأخبار إذا غزت سرية من المسلمين خبر الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا. فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يخبرهم به. قال ابن جريج: قال ابن عباس: قوله { أذاعوا به } قال: أعلنوه وأفشوه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { أذاعوا به } قال: نشروه. قال: والذين أذاعوا به قوم، إما منافقون، وإما آخرون ضعفاء. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أفشوه وشنعوا به، وهم أهل النفاق. القول في تأويل قوله تعالى: { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم }.

يعني جل ثناؤه بقوله: ولو ردوه: الأمر الذي نالهم من عدوهم والمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى أولي أمرهم، يعني: وإلى أمرائهم، وسكتوا فلم يذيعوا ما جاءهم من الخبر، حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ذوو أمرهم هم الذين يقولون الخبر عن ذلك، بعد أن ثبتت عندهم صحته أو بطوله، فيصححوه إن كان صحيحا، أو يبطلوه إن كان باطلا. { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } يقول: لعلم حقيقة ذلك الخبر الذي جاءهم به الذين يبحثون عنه، ويستخرجونه منهم، يعني: أولي الأمر. والهاء والميم في قوله: { منهم } من ذكر أولي الأمر. يقول: لعلم ذلك من أولي الأمر من يستنبطه. وكل مستخرج شيئا كان مستترا عن أبصار العيون أو عن معارف القلوب، فهو له مستنبط، يقال: استنبطت الركية: إذا استخرجت ماءها، ونبطتها أنبطها، والنبط: الماء المستنبط من الأرض، ومنه قول الشاعر:

صفحة غير معروفة