جامع البيان في تفسير القرآن
يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصا أميري فقد عصاني "
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } فقال بعضهم: ذلك أمر من الله باتباع سنته. ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء، في قوله: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } قال: طاعة الرسول: اتباع سنته. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعلى بن عبيد، عن عبد الملك، عن عطاء: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } قال: طاعة الرسول: اتباع الكتاب والسنة. وحدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الملك، عن عطاء، مثله. وقال آخرون: ذلك أمر من الله بطاعة الرسول في حياته. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } إن كان حيا. والصواب من القول في ذلك أن يقال: هو أمر من الله بطاعة رسوله في حياته فيما أمر ونهى، وبعد وفاته في اتباع سنته وذلك أن الله عم بالأمر بطاعته ولم يخصص ذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يخص ذلك ما يجب التسليم له. واختلف أهل التأويل في أولي الأمر الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية، فقال بعضهم هم الأمراء. ذكر من قال ذلك: حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم } قال: هم الأمراء. حدثنا الحسن بن الصباح البزار، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال: { يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم } ، نزلت في رجل بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على سرية. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن مسلم بن هرمز، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في السرية.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، قال: سأل مسلمة ميمون بن مهران، عن قوله: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى منكم } قال: أصحاب السرايا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم } قال: قال أبي: هم السلاطين. قال: وقال ابن زيد في قوله: { وأولى الأمر منكم } قال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الطاعة الطاعة! وفي الطاعة بلاء "
وقال:
" ولو شاء الله لجعل الأمر في الأنبياء "
، يعني: لقد جعل إليهم والأنبياء معهم، ألا ترى حين حكموا في قتل يحيى بن زكريا؟. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، ثنا أسباط، عن السدي: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم } قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها خالد ابن الوليد، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قبل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبا منهم عرسوا، وأتاهم ذو العيينتين، فأخبرهم فأصبحوا وقد هربوا غير رجل أمر أهله، فجمعوا متاعهم. ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل، حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر فأتاه، فقال: يا أبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت فهل إسلامي نافعي غدا وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفعك، فأقم! فأقام. فلما أصبحوا أغار خالد، فلم يجد أحدا غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله، فبلغ عمارا الخبر، فأتى خالدا فقال: خل عن الرجل فإنه قد أسلم، وهو في أمان مني! فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأحاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير. فاستبا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال خالد: يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يا خالد لا تسب عمارا، فإنه من سب عمارا سبه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله، ومن لعن عمارا لعنه الله "
فغضب عمار، فقام فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه، فرضي عنه، فأنزل الله تعالى قوله: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم }. وقال آخرون: هم أهل العلم والفقه. ذكر من قال ذلك: حدثني سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن علي بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله.
صفحة غير معروفة