860

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } فإن الرجال قالوا: نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان، فنريد أن يكون لنا في الأجر أجران، وقال النساء: نريد أن يكون لنا أجر مثل الرجال، فأنا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا. فأنزل الله تعالى الآية، وقال لهم: سلوا الله من فضله، يرزقكم الأعمال، وهو خير لكم. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، قال: نهيتم عن الأماني، ودللتم على ما هو خير منه، واسألوا الله من فضله. حدثني المثنى، قال: ثنا عارم، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: كان محمد إذا سمع الرجل يتمنى في الدنيا، قال: قد نهاكم الله عن هذا، { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } ودلكم على خير منه، واسألوا الله من فضله. قال أبو جعفر: فتأويل الكلام على هذا التأويل: ولا تتمنوا أيها الرجال والنساء الذي فضل الله به بعضكم على بعض من منازل الفضل، ودرجات الخير وليرض أحدكم بما قسم الله له من نصيب، ولكن سلو الله من فضله. القول في تأويل قوله تعالى: { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن }. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: للرجال نصيب مما اكتسبوا من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وللنساء نصيب من ذلك مثل ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئا ولا الصبي شيئا، وإنما يجعلون الميراث لمن يحترف وينفع ويدفع، فلما لحق للمرأة نصيبها وللصبي نصيبه، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، قال النساء: لو كان جعل أنصباءنا في الميراث كأنصباء الرجال! وقال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهن في الميراث! فأنزل الله: { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } ، يقول: المرأة تجزى بحسنتها عشر أمثالها كما يجزي الرجل، قال الله تعالى: { واسألوا الله من فضله }. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثنى أبو ليلى، قال: سمعت أبا جرير يقول: لما نزل: { للذكر مثل حظ الانثيين } قالت النساء: كذلك عليهم نصيبان من الذنوب، كما لهم نصيبان من الميراث! فأنزل الله: { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } يعني الذنوب، واسألوا الله يا معشر النساء من فضله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، وللنساء نصيب منهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنى معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } يعني: ما ترك الوالدان والأقربون، يقول:

للذكر مثل حظ الأنثيين

[النساء: 11]. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن أبي إسحاق، عن عكرمة أو غيره، في قوله: { بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } قال: في الميراث كانوا لا يورثون النساء. قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية قول من قال معناه: للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا، فعملوه من خير أو شر، وللنساء نصيب مما اكتسبن من ذلك كما للرجال. وإنما قلنا إن ذلك أولى بتأويل الآية من قول من قال تأويله: للرجال نصيب من الميراث، وللنساء نصيب منه، لأن الله جل ثناؤه أخبر أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبا مما اكتسب، وليس الميراث مما اكتسبه الوارث، وإنما هو مال أورثه الله عن ميته بغير اكتساب، وإنما الكسب العمل، والمكتسب: المحترف، فغير جائز أن يكون معنى الآية، وقد قال الله: { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } للرجال نصيب مما ورثوا، وللنساء نصيب مما ورثن لأن ذلك لو كان كذلك لقيل: للرجال نصيب مما لم يكتسبوا، وللنساء نصيب مما لم يكتسبن. القول في تأويل قوله تعالى: { واسئلوا الله من فضله }. يعني بذلك جل ثناؤه: واسألوا الله من عونه وتوفيقه للعمل بما يرضيه عنكم من طاعته، ففضله في هذا الموضع: توفيقه ومعونته. كما: حدثنا محمد بن مسلم الرازي، قال: ثنا أبو جعفر النفيلي، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن سعيد: { واسئلوا الله من فضله } قال: العبادة ليست من أمر الدنيا. حدثنا محمد بن مسلم، قال: ثنى أبو جعفر، قال: ثنا موسى، عن ليث، قال: فضله العبادة ليس من أمر الدنيا. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هشام، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: { واسئلوا من فضله } قال: ليس بعرض الدنيا. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { واسئلوا الله من فضله } يرزقكم الأعمال، وهو خير لكم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، قال: ثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل لم يسمه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل، وإن من أفضل العبادة انتظارالفرج "

القول في تأويل قوله تعالى: { إن الله كان بكل شىء عليما }. يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله كان بما يصلح عباده فيما قسم لهم من خير، ورفع بعضهم فوق بعض في الدين والدنيا، وبغير ذلك من قضائه وأحكامه فيهم { عليما } يقول: ذا علم، ولا تتنموا غير الذي قضى لكم، ولكن عليكم بطاعته والتسليم لأمره، والرضا بقضائه ومسئلته من فضله. يعني جل ثناؤه بقوله: { ولكل جعلنا موالى }: ولكلكم أيها الناس جعلنا موالي، يقول: ورثة من بني عمه وإخوته وسائر عصبته غيرهم. والعرب تسمي ابن العم المولى، ومنه قول الشاعر:

ومولى رمينا حوله وهو مدغل

بأعراضنا والمنديات سروع

يعني بذلك: وابن عم رمينا حوله. ومنه قول الفضل بن العباس:

مهلا بنى عمنا مهلا موالينا

صفحة غير معروفة