جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { كتب الله عليكم }: الأربع. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { كتب الله عليكم } قال: هذا أمر الله عليكم، قال: يريد ما حرم عليهم من هؤلاء وما أحل لهم. وقرأ: { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأمولكم }... إلى آخر الآية. قال: كتاب الله عليكم الذي كتبه، وأمره الذي أمركم به. { كتب الله عليكم }: أمر الله. وقد كان بعض أهل العربية يزعم أن قوله: { كتب الله عليكم } منصوب على وجه الإغراء، بمعنى: عليكم كتاب الله، الزموا كتاب الله. والذي قال من ذلك غير مستفيض في كلام العرب، وذلك أنه لا تكاد تنصب بالحرف الذي تغري به، لا تكاد تقول: أخاك عليك وأباك دونك، وإن كان جائزا. والذي هو أولى بكتاب الله أن يكون محمولا على المعروف من لسان من نزل بلسانه هذا مع ما ذكرنا من تأويل أهل التأويل ذلك بمعنى ما قلنا، وخلاف ما وجهه إليه من زعم أنه نصب على وجه الإغراء. القول في تأويل قوله تعالى: { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأمولكم }. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وأحل لكم ما دون الخمس أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وأحل لكم ما وراء ذلكم }: ما دون الأربع أن تبتغوا بأموالكم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } يعني: ما دون الأربع. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأحل لكم ما وراء ذلكم من سمى لكم تحريمه من أقاربكم. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عنها، فقال: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } قال: ما وراء ذات القرابة، { أن تبتغوا بأمولكم }... الآية. وقال آخرون: بل معنى ذلك: { وأحل لكم ما وراء ذلكم }: عدد ما أحل لكم من المحصنات من النساء الحرائر ومن الإماء. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } قال: ما ملكت أيمانكم. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، ما نحن مبينوه وهو أن الله جل ثناؤه بين لعباده المحرمات بالنسب والصهر، ثم المحرمات من المحصنات من النساء، ثم أخبرهم جل ثناؤه أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرمات المبينات في هاتين الآيتين أن نبتغيه بأموالنا نكاحا وملك يمين لا سفاحا.
فإن قال قائل: عرفنا المحللات اللواتي هن وراء المحرمات بالأنساب والأصهار، فما المحللات من المحصنات والمحرمات منهن؟ قيل: هو ما دون الخمس من واحدة إلى أربع على ما ذكرنا عن عبيدة والسدي من الحرائر، فأما ما عدا ذوات الأزواج فغير عدد محصور بملك اليمين. وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن قوله: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } عام في كل محلل لنا من النساء أن نبتغيها بأموالنا، فليس توجيه معنى ذلك إلى بعض منهن بأولى من بعض، إلا أن تقوم بأن ذلك كذلك حجة يجب التسليم لها، ولا حجة بأن ذلك كذلك. واختلف القراء في قراءة قوله: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } فقرأ ذلك بعضهم: «وأحل لكم» بفتح الألف من أحل، بمعنى: كتب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم. وقرأه آخرون: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } اعتبارا بقوله: { حرمت عليكم أمهتكم...وأحل لكم ما وراء ذلكم }. قال أبو جعفر: والذي نقول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة الإسلام غير مختلفتي المعنى، فبأي ذلك قرأ القارىء فمصيب الحق. وأما معنى قوله: { ما وراء ذلكم } فإنه يعني: ما عدا هؤلاء اللواتي حرمتهن عليكم أن تبتغوا بأموالكم، يقول: أن تطلبوا وتلتمسوا بأموالكم، إما شراء بها وإما نكاحا بصداق معلوم، كما قال جل ثناؤه:
ويكفرون بما ورآءه
[البقرة: 91] يعني: بما عداه وبما سواه. وأما موضع «أن» من قوله: { أن تبتغوا بأمولكم } فرفع ترجمة عن «ما» التي في قوله: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } في قراءة من قرأ: { وأحل } بضم الألف. ونصب على ذلك في قراءة من قرأ ذلك: «وأحل» بفتح الألف. وقد يحتمل النصب في ذلك في القراءتين على معنى: وأحل لكم ما وراء ذلكم لأن تبتغوا، فلما حذفت اللام الخافضة اتصلت بالفعل قبلها فنصبت. وقد يحتمل أن تكون في موضع خفض بهذا المعنى إذ كانت اللام في هذا الموضع معلوما أن بالكلام إليها الحاجة. القول في تأويل قوله تعالى: { محصنين غير مسفحين }. يعني بقوله جل ثناؤه: { محصنين } أعفاء بابتغائكم ما وراء ما حرم عليكم من النساء بأموالكم { غير مسفحين } يقول: غير مزانين. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله { محصنين } قال: متناكحين. { غير مسفحين } قال: زانين بكل زانية. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: { محصنين } متناكحين. { غير مسفحين } السفاح: الزنا . حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { محصنين غير مسفحين } يقول: محصنين غير زناة.
القول في تأويل قوله تعالى: { فما استمتعتم به منهن فئاتوهن أجورهن فريضة }. اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { فما استمتعتم به منهن } فقال بعضهم: معناه: فما نكحتم منهن فجامعتموهن، يعني من النساء { فئاتوهن أجورهن فريضة } يعني: صدقاتهن فريضة معلومة. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنى معاوية بن صالح، عن علي بن أي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { فما استمتعتم به منهن فئاتوهن أجورهن فريضة } يقول: إذا تزوج الرجل منكم المرأة ثم نكحها مرة واحدة فقد وجب صداقها كله. والاستمتاع هو النكاح، وهو قوله:
وءاتوا النسآء صدقتهن نحلة
[النساء: 4]. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: { فما استمتعتم به منهن } قال: هو النكاح. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فما استمتعتم به منهن }: النكاح. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: { فما استمتعتم به منهن } قال: النكاح أراد. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { فما استمتعتم به منهن فئاتوهن أجورهن فريضة }... الآية، قال: هذا النكاح، وما في القرآن الإنكاح إذا أخذتها واستمتعت بها، فأعطها أجرها الصداق، فإن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ فرض الله عليها العدة وفرض لها الميراث. قال: والاستمتاع هو النكاح ههنا إذا دخل بها. وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما تمتعتم به منهن بأجر تمتع اللذة، لا بنكاح مطلق على وجه النكاح الذي يكون بولى وشهود ومهر. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة». فهذه المتعة الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى، ويشهد شاهدين، وينكح باذن وليها، وإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل وهي منه برة، وعليها أن تستبرىء ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، ليس يرث واحد منهما صاحبه. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فما استمتعتم به منهن } قال: يعني نكاح المتعة. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، قال: ثنا نصير بن أبي الأشعث، قال: ثنى حبيب ابن أبي ثابت، عن أبيه، قال: أعطاني ابن عباس مصحفا، فقال: هذا على قراءة أبي. قال أبو كريب، قال يحيى: فرأيت المصحف عند نصير فيه: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى».
حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عباس عن متعة النساء، قال: أما تقرأ سورة النساء؟ قال: قلت بلى. قال: فما تقرأ فيها: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى»؟ قلت: لا، لو قرأتها هكذا ما سألتك! قال: فإنها كذا. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنى داود، عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فذكر نحوه. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي سلمة، عن أبي نضرة، قال: قرأت هذه الآية على ابن عباس: { فما استمتعتم به منهن } قال ابن عباس: «إلى أجل مسمى»، قال قلت: ما أقرؤها كذلك قال: والله لأنزلها الله كذلك ثلاث مرات. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عمير: أن ابن عباس قرأ: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى». حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة وثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن ابن عباس، بنحوه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: في قراءة أبي بن كعب: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى». حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سألته عن هذه الآية: { والمحصنت من النساء إلا ما ملكت أيمنكم } إلى هذا الموضع: { فما استمتعتم به منهن } أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال علي رضي الله عنه: لولا أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شقى. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عيسى بن عمر القارىء الأسدي، عن عمرو بن مرة أنه سمع سعيد بن جبير يقرأ: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن». قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله: فما نكحتموه منهن فجامعتموه فآتوهن أجورهن لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله اصلى الله عليه وسلم. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: ثنى الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
" استمتعوا من هذه النساء "
والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج. وقد دللنا على أن المتعة على غير النكاح الصحيح حرام في غير هذا الموضع من كتبنا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وأما روي عن أبي بن كعب وابن عباس من قراءتهما: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى» فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين، وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئا لم يأت به الخبر القاطع العذر عمن لا يجوز خلافه.
صفحة غير معروفة