جامع البيان في تفسير القرآن
[3.176]
يقول جل ثناؤه: ولا يحزنك يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر مرتدين على أعقابهم من أهل النفاق، فإنهم لن يضروا الله بمسارعتهم في الكفر شيئا، كما أن مسارعتهم لو سارعوا إلى الإيمان لم تكن بنافعته، كذلك مسارعتهم إلى الكفر غير ضارته. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { ولا يحزنك الذين يسرعون فى الكفر } يعني: هم المنافقون. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { ولا يحزنك الذين يسرعون فى الكفر } أي المنافقون. القول في تأويل قوله تعالى: { يريد الله أن لا يجعل لهم حظا فى الأخرة ولهم عذاب عظيم }. يعني بذلك جل ثناؤه: يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر نصيبا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم، فسارعوا فيه. ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيم في الآخرة، وذلك عذاب النار. وقال ابن إسحاق في ذلك بما: حدثني ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { يريد الله أن لا يجعل لهم حظا فى الأخرة }: أن يحبط أعمالهم.
[3.177]
يعني بذلك جل ثناؤه: المنافقين الذين تقدم إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فيهم، أن لا يحزنه مسارعتهم إلى الكفر، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء الذين ابتاعوا الكفر بإيمانهم، فارتدوا عن إيمانهم بعد دخولهم فيه، ورضوا بالكفر بالله وبرسوله، عوضا من الإيمان، لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم، عن إيمانهم شيئا، بل إنما يضرون بذلك أنفسهم بإيجابهم بذلك لها من عقاب الله ما لا قبل لها به. وإنما حث الله جل ثناؤه بهذه الآيات من قوله:
وما أصبكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله
[آل عمران: 166] إلى هذه الآية عباده المؤمنين على إخلاص اليقين، والانقطاع إليه في أمورهم، والرضا به ناصرا وحده دون غيره من سائر خلقه، ورغب بها في جهاد أعدائه وأعداء دينه، وشجع بها قلوبهم، وأعلمهم أن من وليه بنصره فلن يخذل ولو اجتمع عليه جميع من خالفه وحاده، وأن من خذله فلن ينصره ناصر ينفعه نصره ولو كثرت أعوانه أو نصراؤه. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمن }: أي المنافقين { لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم }: أي موجع. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: هم المنافقون.
[3.178]
يعني بذلك تعالى ذكره: ولا يظنن الذين كفروا بالله ورسوله، وما جاء به من عند الله، أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم. ويعني بالإملاء: الإطالة في العمر والإنساء في الأجل ومنه قوله جل ثناؤه: { واهجرنى مليا }: أي حينا طويلا ومنه قيل: عشت طويلا وتمليت حينا والملا نفسه: الدهر، والملوان: الليل والنهار، ومنه قول تميم بن مقبل:
ألا يا ديار الحي بالسبعان
أمل عليها بالبلى الملوان
صفحة غير معروفة