جامع البيان في تفسير القرآن
وأما قوله: { والله ذو فضل على المؤمنين } فإنه يعني: والله ذو طول على أهل الإيمان به وبرسوله بعفوه لهم عن كثير ما يستوجبون به العقوبة عليه من ذنوبهم، فإن عاقبهم على بعض ذلك، فذو إحسان إليهم بجميل أياديه عندهم. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين } يقول: وكذلك من الله على المؤمنين أن عاقبهم ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبا وموعظة، فإنه غير مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم، لما أصابوا من معصيته، رحمة لهم، وعائدة عليهم لما فيهم من الإيمان.
[3.153]
يعني بذلك جل ثناؤه: ولقد عفا عنكم أيها المؤمنون إذ لم يستأصلكم، إهلاكا منه جمعكم بذنوبكم، وهربكم { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد }. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه عامة قراء الحجاز والعراق والشام سوى الحسن البصري: { إذ تصعدون } بضم التاء وكسر العين، وبه القراءة عندنا لإجماع الحجة من القراء على القراءة به، واستنكارهم ما خالفه. وروي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: «إذ تصعدون» بفتح التاء والعين. حدثني بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن يونس بن عبيد، عن الحسن. فأما الذين قرؤوا: { تصعدون } بضم التاء وكسر العين، فإنهم وجهوا معنى ذلك إلى أن القوم حين انهزموا عن عدوهم أخذوا في الوادي هاربين. وذكروا أن ذلك في قراءة أبي: «إذ تصعدون في الوادي». حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا أبو عبيد، قال: ثنا حجاج، عن هارون. قالوا: الهرب في مستوى الأرض، وبطون الأودية والشعاب، إصعاد لا صعود، قالوا وإنما يكون الصعود على الجبال والسلاليم والدرج، لأن معنى الصعود: الارتقاء والارتفاع على الشيء علوا. قالوا: فأما الأخذ في مستوى الأرض الهبوط، فإنما هو إصعاد، كما يقال: أصعدنا من مكة، إذا ابتدأت في السفر منها والخروج، وأصعدنا من الكوفة إلى خراسان، بمعنى خرجنا منها سفرا إليها، وابتدأنا منها الخروج إليها. قالوا: وإنما جاء تأويل أكثر أهل التأويل بأن القوم أخذوا عند انهزامهم عن عدوهم في بطن الوادي. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ولا تلوون على أحد } ذاكم يوم أحد أصعدوا في الوادي فرارا، ونبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم في أخراهم، قال:
" إلي عباد الله، إلي عباد الله "
وأما الحسن فإني أراه ذهب في قراءته: «إذ تصعدون» بفتح التاء والعين إلى أن القوم حين انهزموا عن المشركين صعدوا الجبل. وقد قال ذلك عدد من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما شد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة، فقاموا عليها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس:
" إلي عباد الله، إلي عباد الله! "
فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء نبي الله صلى الله عليه وسلم إياهم، فقال: { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم فى أخراكم }. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: انحازوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يصعدون في الجبل، والرسول يدعوهم في أخراهم.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد } قال: صعدوا في أحد فرارا. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أن أولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ: { إذ تصعدون } بضم التاء وكسر العين، بمعنى السبق والهرب في مستوى الأرض، أو في المهابط، لإجماع الحجة على أن ذلك هو القراءة الصحيحة. ففي إجماعها على ذلك الدليل الواضح على أن أولى التأويلين بالآية تأويل من قال: أصعدوا في الوادي، ومضوا فيه، دون قول من قال: صعدوا على الجبل. وأما قوله: { ولا تلوون على أحد } فإنه يعني: ولا تعطفون على أحد منكم، ولا يلتفت بعضكم إلى بعض هربا من عدوكم مصعدين في الوادي. ويعني بقوله: { والرسول يدعوكم فى أخراكم }: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوكم أيها المؤمنون به من أصحابه في أخراكم، يعني أنه يناديكم من خلفكم:
" إلي عباد الله، إلي عباد الله! "
كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: { والرسول يدعوكم فى أخراكم }: إلي عباد الله ارجعوا، إلي عباد الله ارجعوا!. حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { والرسول يدعوكم فى أخراكم }: رأوا نبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم: إلي عباد الله! حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، مثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: أنبهم الله بالفرار عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وهو يدعوهم لا يعطفون عليه لدعائه إياهم، فقال: { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم فى أخراكم }. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { والرسول يدعوكم فى أخراكم } هذا يوم أحد حين انكشف الناس عنه. القول في تأويل قوله تعالى: { فأثبكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصبكم والله خبير بما تعملون }. يعني بقوله جل ثناؤه: { فأثبكم غما بغم } يعني: فجازاكم بفراركم عن نبيكم، وفشلكم عن عدوكم، ومعصيتكم ربكم غما بغم، يقول: غما على غم. وسمى العقوبة التي عاقبهم بها من تسليط عدوهم عليهم حتى نال منهم ما نال ثوابا، إذ كان ذلك من عملهم الذي سخطه ولم يرضه منهم، فدل بذلك جل ثناؤه أن كل عوض كالمعوض من شيء من العمل، خيرا كان أو شرا، أو العوض الذي بذله رجل لرجل أو يد سلفت له إليه، فإنه مستحق اسم ثواب كان ذلك العوض تكرمة أو عقوبة، ونظير ذلك قول الشاعر:
صفحة غير معروفة