جامع البيان في تفسير القرآن
فيقول يليتنى لم أوت كتبيه
[الحاقه: 25] فإن ذلك هو مما لم يكن فيه شك أنه من الزوائد، وأنه ألحق على نية الوقف. فأما ما كان محتملا أن يكون أصلا للحرف غير زائد فغير جائز، وهو في مصحف المسلمين مثبت صرفه إلى أنه من الزوائد والصلات. على أن ذلك وإن كان زائدا فيما لا شك أنه من الزوائد، فإن العرب قد تصل الكلام بزائد، فتنطق به على نحو منطقها به في حال القطع، فيكون وصلها إياه وقطعها سواء. وذلك من فعلها دلالة على صحة قراءة من قرأ جميع ذلك بإثبات الهاء في الوصل والوقف، غير أن ذلك وإن كان كذلك فلقوله: { لم يتسنه } حكم مفارق حكم ما كان هاؤه زائدا لا شك في زيادته فيه.
ومما يدل على صحة ما قلنا، من أن الهاء في يتسنه من لغة من قال: «قد أسنهت» و«المسانهة»، ما: حدثت به عن القاسم بن سلام، قال: ثنا ابن مهدي، عن أبي الجراح، عن سليمان بن عمير، قال: ثني هانىء مولى عثمان، قال: كنت الرسول بين عثمان وزيد بن ثابت، فقال زيد: سله عن قوله: لم يتسن، أو لم يتسنه؟ فقال عثمان: اجعلوا فيها هاء. حدثت عن القاسم، وحدثنا محمد بن محمد العطار، عن القاسم، وحدثنا أحمد والعطار جميعا، عن القاسم، قال: ثنا ابن مهدي، عن ابن المبارك، قال: ثني أبو وائل شيخ من أهل اليمن عن هانىء البربري، قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها: «لم يتسن» و«فأمهل الكافرين» و«لا تبديل للخلق». قال: فدعا بالدواة، فمحا إحدى اللامين وكتب:
لا تبديل لخلق الله
[الروم: 30] ومحا «فأمهل» وكتب:
فمهل الكفرين
[الطارق: 17] وكتب: «لم يتسنه» ألحق فيها الهاء. ولو كان ذلك من «يتسنى» أو «يتسنن» لما ألحق فيه أبي هاء لا موضع لها فيه، ولا أمر عثمان بإلحاقها فيها. وقد روي عن زيد بن ثابت في ذلك نحو الذي روي فيه عن أبي بن كعب. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله { لم يتسنه } فقال بعضهم بمثل الذي قلنا فيه من أن معناه لم يتغير. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن المفضل، عن محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه: { لم يتسنه } لم يتغير. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { لم يتسنه } لم يتغير. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } يقول: فانظر إلى طعامك من التين والعنب، وشرابك من العصير لم يتسنه، يقول: لم يتغير فيمحض التين والعنب، ولم يختمر العصير هما حلوان كما هما. وذلك أنه مر جائيا من الشام على حمار له معه عصير وعنب وتين، فأماته الله، وأمات حماره، ومر عليهما مائة سنة. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } يقول: لم يتغير، وقد أتى عليه مائة عام. حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، بنحوه. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: { لم يتسنه } لم يتغير.
حدثنا سفيان، قال: ثنا أبي، عن النضر، عن عكرمة: { لم يتسنه } لم يتغير. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { لم يتسنه } لم يتغير في مائة سنة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني بكر بن مضر، قال: يزعمون في بعض الكتب أن أرميا كان بإيليا حين خربها بختنصر، فخرج منها إلى مصر فكان بها، فأوحى الله إليه أن اخرج منها إلى بيت المقدس. فأتاها فإذا هي خربة، فنظر إليها فقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه، فإذا حماره حي قائم على رباطه، وإذا طعامه سل عنب وسل تين لم يتغير عن حاله. قال يونس: قال لنا سالم الخواص: كان طعامه وشرابه سل عنب وسل تين وزق عصير. وقال آخرون: معنى ذلك: لم ينتن. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: { لم يتسنه } لم ينتن. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني القاسم، قال: ثنا الحسن، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد قوله: { إلى طعامك } قال: سل تين، { وشرابك } دن خمر، { لم يتسنه } يقول: لم ينتن. وأحسب أن مجاهدا والربيع ومن قال في ذلك بقولهما رأوا أن قوله: { لم يتسنه } من قول الله تعالى ذكره:
من حمإ مسنون
[الحجر: 26] بمعنى المتغير الريح بالنتن من قول القائل: تسنن. وقد بينت الدلالة فيما مضى على أن ذلك ليس كذلك. فإن ظن ظان أنه من الأسن من قول القائل: أسن هذا الماء يأسن أسنا، كما قال الله تعالى ذكره:
صفحة غير معروفة