جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كنا نتحدث أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلا على عدة أصحاب طالوت من جاز معه، وما جاز معه إلا مؤمن. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بنحوه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كنا نتحدث أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يوم بدر على عدة أصحاب طالوت يوم جاوزوا النهر، وما جاوز معه إلا مسلم. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مسعر، عن أبي إسحاق، عن البراء مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر:
" أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي "
، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلا. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: محص الله الذين آمنوا عند النهر وكانوا ثلثمائة، وفوق العشرة، ودون العشرين، فجاء داود صلى الله عليه وسلم فأكمل به العدة. وقال آخرون: بل جاوز معه النهر أربعة آلاف، وإنما خلص أهل الإيمان منهم من أهل الكفر والنفاق حين لقوا جالوت. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: عبر مع طالوت النهر من بني إسرائيل أربعة آلاف، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه فنظروا إلى جالوت رجعوا أيضا وقالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فرجع عنه أيضا ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، وخلص في ثلثمائة وبضعة عشر عدة أهل بدر. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: لما جاوزه هو والذين آمنوا معه، قال الذين شربوا: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده }. وأولى القولين في ذلك بالصواب، ما روي عن ابن عباس وقاله السدي وهو أنه جاوز النهر مع طالوت المؤمن الذي لم يشرب من النهر إلا الغرفة، والكافر الذي شرب منه الكثير. ثم وقع التمييز بينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه، وانخذل عنه أهل الشرك والنفاق، وهم الذين قالوا: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } ومضى أهل البصيرة بأمر الله على بصائرهم، وهم أهل الثبات على الإيمان، فقالوا: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين }. فإن ظن ذو غفلة أنه غير جائز أن يكون جاوز النهر مع طالوت إلا أهل الإيمان الذين ثبتوا معه على إيمانهم، ومن لم يشرب من النهر إلا الغرفة، لأن الله تعالى ذكره قال: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه } فكان معلوما أنه لم يجاوز معه إلا أهل الإيمان، على ما روي به الخبر عن البراء بن عازب، ولأن أهل الكفر لو كانوا جاوزوا النهر كما جاوزه أهل الإيمان لما خص الله بالذكر في ذلك أهل الإيمان فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن.
وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الفريقان، أعنى فريق الإيمان وفريق الكفر جاوزوا النهر، وأخبر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، عن المؤمنين بالمجاوزة، لأنهم كانوا من الذين جاوزوه مع ملكهم وترك ذكر أهل الكفر، وإن كانوا قد جاوزوا النهر مع المؤمنين. والذي يدل على صحة ما قلنا في ذلك قول الله تعالى ذكره: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } فأوجب الله تعالى ذكره أن الذين يظنون أنهم ملاقو الله هم الذين قالوا عند مجاوزة النهر: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } دون غيرهم الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله، وأن الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله هم الذين قالوا: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } وغير جائز أن يضاف الإيمان إلى من جحد أنه ملاقي الله أو شك فيه. القول في تأويل قوله تعالى: { قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين }. اختلف أهل التأويل في أمر هذين الفريقين، أعني القائلين: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } والقائلين: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } من هما. فقال بعضهم: الفريق الذين قالوا: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } هم أهل كفر بالله ونفاق، وليسوا ممن شهد قتال جالوت وجنوده، لأنهم انصرفوا عن طالوت، ومن ثبت معه لقتال عدو الله جالوت ومن معه، وهم الذين عصوا أمر الله لشربهم من النهر. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي بذلك وهو قول ابن عباس. وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه آنفا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } الذين اغترفوا وأطاعوا الذين مضوا مع طالوت المؤمنون، وجلس الذين شكوا. وقال آخرون: كلا الفريقين كان أهل إيمان، ولم يكن منهم أحد شرب من الماء إلا غرفة، بل كانوا جميعا أهل طاعة، ولكن بعضهم كان أصح يقينا من بعض، وهم الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } والآخرون كانوا أضعف يقينا، وهم الذين قالوا: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده }.
ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } ويكون المؤمنون بعضهم أفضل جدا وعزما من بعض، وهم مؤمنون كلهم. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } أن النبي قال لأصحابه يوم بدر:
" أنتم بعدة أصحاب طالوت ثلثمائة "
قال قتادة: وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الذين لم يأخذوا الغرفة أقوى من الذين أخذوا، وهم الذين قالوا: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين }. ويجب على القول الذي روي عن البراء بن عازب أنه لم يجاوز النهر مع طالوت إلا عدة أصحاب بدر أن يكون كلا الفريقين اللذين وصفهما الله بما وصفهما به أمرهما على نحو ما قال فيهما قتادة وابن زيد. وأولى القولين في تأويل الآية ما قاله ابن عباس والسدي وابن جريج. وقد ذكرنا الحجة في ذلك فيما مضى قبل آنفا. وأما تأويل قوله: { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } فإنه يعني: قال الذين يعلمون ويستيقنون أنهم ملاقوا الله. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } الذين يستيقنون. فتأويل الكلام: قال الذين يوقنون بالمعاد ويصدقون بالمرجع إلى الله للذين قالوا: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده كم من فئة قليلة } يعني بكم كثيرا غلبت فئة قليلة فئة كثيرة بإذن الله، يعني: بقضاء الله وقدره. { والله مع الصابرين } يقول: مع الحابسين أنفسهم على رضاه وطاعته. وقد أتينا على البيان عن وجوه الظن وأن أحد معانيه العلم اليقين بما يدل على صحة ذلك فيما مضى، فكرهنا إعادته. وأما الفئة فإنهم الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه، وهو مثل الرهط والنفر جمعه فئات وفئون في الرفع، وفئين في النصب والخفض بفتح نونها في كل حال، وفئين بالرفع بإعراب نونها بالرفع، وترك الياء فيها، وفي النصب فئينا، وفي الخفض فئين، فيكون الإعراب في الخفض والنصب في نونها، وفي كل ذلك مقرة فيها الياء على حالها، فإن أضيفت، قيل: هؤلاء فئينك بإقرار النون وحذف التنوين، كما قال الذين لغتهم هذه سنين في جمع السنة هذه سنينك بإثبات النون وإعرابها، وحذف التنوين منها للإضافة، وكذلك العمل في كل منقوص، مثل مائة وثبة وقلة وعزة، فأما ما كان نقصه من أوله فإن جمعه بالتاء مثل عدة وعدات وصلة وصلات.
وأما قوله: { والله مع الصابرين } فإنه يعني: والله معين الصابرين على الجهاد في سبيله وغير ذلك من طاعته، وظهورهم ونصرهم على أعدائه الصادين عن سبيله، المخالفين منهاج دينه. وكذلك يقال لكل معين رجلا على غيره هو معه بمعنى هو معه بالعون له والنصرة.
[2.250]
يعني تعالى ذكره بقوله: { ولما برزوا لجالوت وجنوده } ولما برز طالوت وجنوده لجالوت وجنوده. ومعنى قوله: { برزوا } صاروا بالبراز من الأرض، وهو ما ظهر منها واستوى، ولذلك قيل للرجل القاضي حاجته: تبرز لأن الناس قديما في الجاهلية إنما كانوا يقضون حاجتهم في البراز من الأرض، فقيل: قد تبرز فلان: إذا خرج إلى البراز من الأرض لذلك، كما قيل تغوط لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في الغائط من الأرض وهو المطمئن منها، فقيل للرجال: تغوط، أي صار إلى الغائط من الأرض. وأما قوله: { ربنا أفرغ علينا صبرا } فإنه يعني أن طالوت وأصحابه قالوا: { ربنا أفرغ علينا صبرا } يعني أنزل علينا صبرا. وقوله: { وثبت أقدامنا } يعني: وقو قلوبنا على جهادهم لتثبت أقدامنا فلا ننهزم عنهم، { وانصرنا على القوم الكافرين }: الذين كفروا بك فجحدوك إلها وعبدوا غيرك واتخذوا الأوثان أربابا.
صفحة غير معروفة