جامع البيان في تفسير القرآن
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } قال: إذا رضيت الوالدة أن تسترضع ولدها ورضي الأب أن يسترضع ولده، فليس عليهما جناح. واختلفوا في قوله: { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } فقال بعضهم: معناه: إذا سلمتم لأمهاتهم ما فارقتموهن عليه من الأجرة على رضاعهن بحساب ما استحقته إلى انقطاع لبنها، أو الحال التي عذر أبو الصبي بطلب مرضع لولده غير أمه واسترضاعه له. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } قال: حساب ما أرضع به الصبي. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } حساب ما يرضع به الصبي. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } إن قالت يعني الأم: لا طاقة لي به فقد ذهب لبني، فسترضع له أخرى، وليسلم لها أجرها بقدر ما أرضعت. حدثني المثنى، قال: ثني سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، قال: قلت، يعني لعطاء: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم } قال: أمه وغيرها، { فلا جناح عليكم إذا سلمتم } قال: إذا سلمت لها أجرها، { ما آتيتم } قال: ما أعطيتم. وقال آخرون: معنى ذلك: إذا سلمتم للاسترضاع عن مشورة منكم ومن أمهات أولادكم الذين تسترضعون لهم، وتراض منكم ومنهن باسترضاعهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } يقول: إذا كان ذلك عن مشورة ورضا منهم. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: أخبرني الليث، قال: ثني عقيل، عن ابن شهاب: لا جناح عليهما أن يسترضعا أولادهما، يعني أبوي المولود إذا سلما ولم يتضارا. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } يقول: إذا كان ذلك عن مشورة ورضا منهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف إلى التي استرضعتموها بعد إباء أم المرضع من الأجرة بالمعروف. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، وحدثني علي، قال: ثنا زيد جميعا، عن سفيان في قوله: { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } قال: إذا سلمتم إلى هذه التي تستأجرون أجرها بالمعروف، يعني إلى من استرضع للمولود إذا أبت الأم رضاعه.
وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال تأويله: وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم إلى تمام رضاعهن، ولم تتفقوا أنتم ووالدتهم على فصالهم، ولم تروا ذلك من صلاحهم، فلا جناح عليكم أن تسترضعوهم ظؤرة إن امتنعت أمهاتهم من رضاعهم لعلة بهن أو لغير علة إذا سلمتم إلى أمهاتهم وإلى المسترضعة الآخرة حقوقهن التي آتيتموهن بالمعروف. يعني بذلك المعنى الذي أوجبه الله لهن عليكم، وهو أن يوفيهن أجورهن على ما فارقهن عليه في حال الاسترضاع ووقت عقد الإجارة. وهذا هو المعنى الذي قاله ابن جريج، ووافقه على بعضه مجاهد والسدي ومن قال بقولهم في ذلك. وإنما قضينا لهذا التأويل أنه أولى بتأويل الآية من غيره، لأن الله تعالى ذكره ذكر قبل قوله: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم } أمر فصالهم، وبين الحكم في فطامهم قبل تمام الحولين الكاملين، فقال: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما } في الحولين الكاملين، فلا جناح عليها. فالذي هو أولى بحكم الآية، إذ كان قد بين فيها وجه الفصال قبل الحولين أن يكون الذي يتلو ذلك حكم ترك الفصال وإتمام الرضاع إلى غاية نهايته، وأن يكون إذ كان قد بين حكم الأم إذا هي اختارت الرضاع بما يرضع به غيرها من الأجرة، أن يكون الذي يتلو ذلك من الحكم بيان حكمها وحكم الولد إذا هي امتنعت من رضاعه كما كان ذلك كذلك في غير هذا الموضع من كتاب الله تعالى، وذلك في قوله: { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } ، فأتبع ذكر بيان رضا الوالدات برضاع أولادهن، ذكر بيان امتناعهن من رضاعهن، فكذلك ذلك في قوله: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم }. وإنما اخترنا في قوله: { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } ما اخترنا من التأويل لأن الله تعالى ذكره فرض على أبي المولود تسليم حق والدته إليها مما آتاها من الأجرة على رضاعها له بعد بينونتها منه، كما فرض عليه ذلك لمن استأجره لذلك ممن ليس من مولده بسبيل وأمره بإيتاء كل واحدة منهما حقها بالمعروف على رضاع ولده فلم يكن قوله: «إذا سلمتم» بأن يكون معنيا به إذا سلمتم إلى أمهات أولادكم الذين يرضعون حقوقهن بأولى منه بأن يكون معنيا به إذا سلمتم ذلك إلى المراضع سواهن ولا الغرائب من المولود بأولى أن يكن معنيات بذلك من الأمهات، إذ كان الله تعالى ذكره قد أوجب على أبي المولود لكل من استأجره لرضاع ولده من تسليم أجرتها إليها مثل الذي أوجب عليه من ذلك للأخرى، فلم يكن لنا أن نحيل ظاهر تنزيل إلى باطن ولا نقل عام إلى خاص إلا بحجة يجب التسليم لها فصح بذلك ما قلنا.
وأما معنى قوله: { بالمعروف } فإن معناه: بالإجمال والإحسان وترك البخس والظلم فيما وجب للمراضع. القول في تأويل قوله تعالى: { واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير }. يعني تعالى ذكره بقوله: { واتقوا الله } وخافوا الله فيما فرض لبعضكم على بعض من الحقوق، وفيما ألزم نساءكم لرجالكم ورجالكم لنسائكم، وفيما أوجب عليكم لأولادكم فاحذروه أن تخالفوه فتعتدوا في ذلك وفي غيره من فرائضه وحقوقه حدوده، فتستوجبوا بذلك عقوبته، واعلموا أن الله بما تعملون من الأعمال أيها الناس سرها وعلانيتها، وخفيها وظاهرها، وخيرها وشرها، بصير يراه ويعلمه، ولا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه منه شيء، فهو يحصي ذلك كله عليكم حتى يجازيكم بخير ذلك وشره. ومعنى بصير ذو إبصار، وهو في معنى مبصر.
[2.234]
يعني تعالى ذكره بذلك: والذين يتوفون منكم من الرجال أيها الناس، فيموتون ويذرون أزواجا يتربصن أزواجهن بأنفسهن. فإن قال قائل: فأين الخبر عن الذين يتوفون؟ قيل: متروك لأنه لم يقصد قصد الخبر عنهم، وإنما قصد قصد الخبر عن الواجب على المعتدات من العدة في وفاة أزواجهن، فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم من الأموات إلى الخبر عن أزواجهم والواجب عليهن من العدة، إذ كان معروفا مفهوما معنى ما أريد بالكلام، هو نظير قول القائل في الكلام: بعض جبتك متخرقة، في ترك الخبر عما ابتدىء به الكلام إلى الخبر عن بعض أسبابه. وكذلك الأزواج اللواتي عليهن التربص لما كان إنما ألزمهن التبرص بأسباب أزواجهن صرف الكلام عن خبر من ابتدىء بذكره إلى الخبر عمن قصد قصد الخبر عنه، كما قال الشاعر:
لعلي إن مالت بي الريح ميلة
على ابن أبي ذبان أن يتندما
فقال «لعلي»، ثم قال «أن يتندما»، لأن معنى الكلام: لعل ابن أبي ذبان أن يتندم إن مالت بي الريح ميلة عليه. فرجع بالخبر إلى الذي أراد به، وإن كان قد ابتدأ بذكر غيره. ومنه قول الشاعر:
ألم تعلموا أن ابن قيس وقتله
بغير دم دار المذلة حلت
صفحة غير معروفة