فرسانه عزلا ولا أكفالا
ولم يلق جرير هذيلا ولا أدركه، ولا أدرك إراب ولا شهده.
ولكنه لما كان يوما من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه، فكذلك خطاب الله عز وجل من خاطبه بقوله: { وإذ نجينكم من آل فرعون } لما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم من خاطبه بالآية وآبائهم، أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومهم. القول في تأويل قوله تعالى: { يسومونكم سوء العذاب }. وفي قوله: { يسومونكم } وجهان من التأويل، أحدهما: أن يكون خبرا مستأنفا عن فعل فرعون ببني إسرائيل، فيكون معناه حينئذ: واذكروا نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون، وكانوا من قبل يسومونكم سوء العذاب. وإذا كان ذلك تأويله كان موضع «يسومونكم» رفعا. والوجه الثاني: أن يكون «يسومونكم» حالا، فيكون تأويله حينئذ: وإذ نجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب، فيكون حالا من آل فرعون. وأما تأويل قوله: { يسومونكم } فإنه يوردونكم، ويذيقونكم، ويولونكم، يقال منه: سامه خطة ضيم: إذا أولاه ذلك وأذاقه، كما قال الشاعر:
إن سيم خسفا وجهه تربدا
فأما تأويل قوله: { سوء العذاب } فإنه يعني: ما ساءهم من العذاب. وقد قال بعضهم: أشد العذاب ولو كان ذلك معناه لقيل: أسوأ العذاب. فإن قال لنا قائل: وما ذلك العذاب الذي كانوا يسومونهم الذي كان يسوءهم؟ قيل: هو ما وصفه الله تعالى في كتابه فقال: { يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم }. وقد قال محمد بن إسحاق في ذلك ما: حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: أخبرنا ابن إسحاق، قال: كان فرعون يعذب بني إسرائيل فيجعلهم خدما وخولا، وصنفهم في أعماله، فصنف يبنون، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة من عمله فعليه الجزية، فسامهم كما قال الله عز وجل: { سوء العذاب }. وقال السدي: جعلهم في الأعمال القذرة، وجعل يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم. حدثني بذلك موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدي. القول في تأويل قوله تعالى: { يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم }. قال أبو جعفر: وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون ببني إسرائيل من سومهم إياهم سوء العذاب وذبحهم أبناءهم واستحيائهم نساءهم اليهم دون فرعون، وإن كان فعلهم ما فعلوا من ذلك كان بقوة فرعون وعن أمره، لمباشرتهم ذلك بأنفسهم. فبين بذلك أن كل مباشر قتل نفس أو تعذيب حي بنفسه وإن كان عن أمر غيره، ففاعله المتولي ذلك هو المستحق إضافة ذلك إليه، وإن كان الآمر قاهرا الفاعل المأمور بذلك سلطانا كان الآمر أو لصا خاربا أو متغلبا فاجرا، كما أضاف جل ثناؤه ذبح أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم إلى آل فرعون دون فرعون، وإن كانوا بقوة فرعون وأمره إياهم بذلك فعلوا ما فعلوا مع غلبته إياهم وقهره لهم.
فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلما فهو المقتول عندنا به قصاصا، وإن كان قتله إياها بإكراه غيره له على قتله. وأما تأويل ذبح أبناء بني إسرائيل، واستحيائهم نساءهم، فإنه كان فيما ذكر لنا عن ابن عباس وغيره كالذي: حدثنا به العباس بن الوليد الآملي وتميم بن المنتصر الواسطي، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، قال: حدثنا القاسم ابن أيوب، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم خليله أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا وائتمروا، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار ، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه، ففعلوا. فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن الصغار يذبحون، قال: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة ما كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقل أبناؤهم ودعوا عاما. فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية أمه، حتى إذا كان القابل حملت بموسى. وقد حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذه العام مولود يذهب بملكك. قال: فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرة، وعلى كل عشرة رجلا فقال: انظروا كل امرأة حامل في المدينة، فإذا وضعت حملها فانظروا إليه، فإن كان ذكرا فاذبحوه، وإن كان أنثى فخلوا عنها. وذلك قوله: { يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم }. حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: { وإذ نجينكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب } قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة، فقالت الكهنة: إنه سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه. فبعث في أهل مصر نساء قوابل، فإذا ولدت امرأة غلاما أتى به فرعون فقتله ويستحيي الجواري. وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: { وإذ نجينكم من آل فرعون } الآية، قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة، وإنه أتاه آت، فقال: إنه سينشأ في مصر غلام من بني إسرائيل فيظهر عليك ويكون هلاكك على يديه. فبعث في مصر نساء. فذكر نحو حديث آدم. وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر عن السدي، قال: كان من شأن فرعون أنه رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل وأخربت بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والعافة والقافة والحازة، فسألهم عن رؤياه، فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه يعنون بيت المقدس رجل يكون على وجهه هلاك مصر.
فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه، ولا تولد لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا فأدخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة. فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، وأدخلوا غلمانهم فذلك حين يقول الله تبارك وتعالى:
إن فرعون علا في الأرض
[القصص: 4] يقول: تجبر في الأرض:
وجعل أهلها شيعا
صفحة غير معروفة