جامع البيان في تفسير القرآن
يعني تعالى ذكره بقوله: { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } وكذلك اختبرنا وابتلينا. كالذي: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور ، عن معمر، وحدثنا الحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } يقول: ابتلينا بعضهم ببعض. وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على معنى الفتنة، وأنها الاختبار والابتلاء، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإنما فتنة الله تعالى بعض خلقه ببعض، مخالفته بينهم فيما قسم لهم من الأرزاق والأخلاق، فجعل بعضا غنيا وبعضا فقيرا وبعضا قويا وبعضا ضعيفا، فأحوج بعضهم إلى بعض، اختبارا منه لهم بذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } يعني أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء، فقال الأغنياء للفقراء: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا يعني: هداهم الله. وإنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية. وأما قوله:
ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا
يقول تعالى: إختبرنا الناس بالغنى والفقر والعز والذل والقوة والضعف والهدى والضلال، كي يقول من أضله الله وأعماه عن سبيل الحق للذين هداهم الله ووفقهم: أهؤلاء من الله عليهم بالهدى والرشد وهم فقراء ضعفاء أذلاء من بيننا ونحن أغنياء أقوياء استهزاء بهم، ومعاداة للإسلام وأهله. يقول تعالى: { أليس الله بأعلم بالشاكرين } وهذا منه تعالى إجابة لهؤلاء المشركين الذين أنكروا أن يكون الله هدى أهل المسكنة والضعف للحق، وخذلهم عنه وهم أغنياء، وتقرير لهم أنا أعلم بمن كان من خلقي شاكرا نعمتي ممن هو لها كافر، فمني على من مننت عليه منهم بالهداية جزاء شكره إياي على نعمتي، وتخذلي من خذلت منهم عن سبيل الرشاد عقوبة كفرانه إياي نعمتي لا لغنى الغني منهم ولا لفقر الفقير لأن الثواب والعقاب لا يستحقه أحد إلا جزاء على عمله الذي اكتسبه لا على غناه وفقره، لأن الغنى والفقر والعجز والقوة ليس من أفعال خلقي.
[6.54]
اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله تعالى بهذه الآية: فقال بعضهم : عنى بها الذين نهي الله نبيه عن طردهم، وقد مضت الرواية بذلك عن قائليه. وقال آخرون: عنى بها قوما استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذنوب أصابوها عظام، فلم يؤيسهم الله من التوبة. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن مجمع، قال: سمعت ماهان، قال: جاء قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد أصابوا ذنوبا عظاما. قال ماهان: فما أخاله رد عليهم شيئا. قال: فأنزل الله هذه الآية: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم... } الآية. حدثنا هناد، قال: ثنا قيصة، عن سفيان، عن مجمع، عن ماهان: أن قوما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد إنا أصبنا ذنوبا عظاما فما أخاله رد عليهم شيئا، فانصرفوا، فأنزل الله تعالى: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } قال: فدعاهم، فقرأها عليهم. حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن مجمع التميمي، قال: سمعت ماهان يقول، فذكر نحوه. وقال آخرون: بل عني بها قوم من المؤمنين كانوا أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين نهاه الله عن طردهم، فكان ذلك منهم خطيئة، فغفرها الله لهم وعفا عنهم، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم إذا أتوه أن يبشرهم بأن قد غفر لهم خطيئتهم التي سلفت منهم بمشورتهم على النبي صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين أشاروا عليه بطردهم. وذلك قول عكرمة وعبد الرحمن بن زيد، وقد ذكرنا الرواية عنهما بذلك قبل. وأولى الأقوال في ذلك عندي بتأويل الآية، قول من قال: المعنيون بقوله: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم } غير الذين نهى الله النبي صلى الله عليه وسلم عن طردهم، لأن قوله: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا } خبر مستأنف بعد تقصي الخبر عن الذين نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم، ولو كانوا هم لقيل: «وإذا جاءوك فقل سلام عليكم»، وفي ابتداء الله الخبر عن قصة هؤلاء وتركه وصل الكلام بالخبر عن الأولين ما ينبىء عن أنهم غيرهم. فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا: وإذا جاءك يا محمد القوم الذين يصدقون بتنزيلنا وأدلتنا وحججنا فيقرون بذلك قولا وعملا، مسترشديك عن ذنوبهم التي سلفت منهم بيني وبينهم، هل لهم منها توبة؟ فلا تؤيسهم منها، وقل لهم: سلام عليكم: أمنة الله لكم من ذنوبكم أن يعاقبكم عليها بعد توبتكم منها، { كتب ربكم على نفسه الرحمة } يقول: قضى ربكم الرحمة بخلقه، { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم }.
واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدنيين: { أنه من عمل منكم سوءا } فيحعلون «أن» منصوبة على الترجمة بها عن الرحمة، «ثم تاب من بعده وأصلح فإنه عفور رحيم» على ائتناف «إنه» بعد الفاء فيكسرونها ويجعلونها أداة لا موضع لها، بمعنى: فهو له غفور رحيم، أو فله المغفرة والرحمة. وقرأهما بعض الكوفيين بفتح الألف منهما جميعا، بمعنى: كتب ربكم على نفسه الرحمة، ثم ترجم بقوله: { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة } عن الرحمة { فأنه غفور رحيم } ، فيعطف «فأنه» الثانية على «أنه» الأولى، ويجعلهما اسمين منصوبين على ما بينت. وقرأ ذلك بعض المكيين وعامة قراء أهل العراق من الكوفة والبصرة بكسر الألف من «إنه» و «فإنه» على الابتداء، وعلى أنهما أداتان لا موضع لهما. وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأهما بالكسر: «كتب ربكم على نفسه الرحمة إنه» على ابتداء الكلام، وأن الخبر قد انتهى عند قوله: { كتب ربكم على نفسه الرحمة } ثم استؤنف الخبر عما هو فاعل تعالى ذكره بمن عمل سوءا بجهال ثم تاب وأصلح منه. ومعنى قوله: { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة }: أنه من اقترف منكم ذنبا، فجهل باقترافه إياه. { ثم تاب وأصلح فأنه غفور } لذنبه إذا تاب وأناب وراجع بطاعة الله وترك العود إلى مثله مع الندم على ما فرط منه. { رحيم } بالتائب أن يعاقبه على ذنبه بعد توبته منه . وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال جماعة أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن عثمان، عن مجاهد: { من عمل منكم سوءا بجهالة } قال: من جهل أنه لا يعلم حلالا من حرام، ومن جهالته ركب الأمر. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك، مثله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد:
يعملون السوء بجهالة
قال: من عمل بمعصية الله، فذاك منه جهل حتى يرجع. حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا بكر بن خنيس، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: { من عمل منكم سوءا بجهالة } قال: كل من عمل بخطيئة فهو بها جاهل. حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا خالد بن دينار أبو خلدة، قال: كنا إذا دخلنا على أبي العالية قال: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة }.
[6.55]
يعني تعالى ذكره بقوله: { وكذلك نفصل الآيات } وكما فصلنا لك في هذه السورة من ابتدائها وفاتحتها يا محمد إلى هذا الموضع حجتنا على المشركين من عبدة الأوثان وأدلتنا، وميزناها لك وبيناها، كذلك نفصل لك أعلامنا وأدلتنا في كل حق ينكره أهل الباطل من سائر أهل الملل غيرهم، فنبينها لك حتى تبين حقه من باطله وصحيحه من سقيمه. واختلفت القراء في قراءة قوله: { ولتستبين سبيل المجرمين } فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة: { ولتستبين } بالتاء «سبيل المجرمين» بنصب السبيل، على أن «تستبين» خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم كأن معناه عندهم: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين. وكان ابن زيد يتأول ذلك: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين الذين سألوك طرد النفر الذين سألوه طردهم عنه من أصحابه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: «ولتستبين سبيل المجرمين» قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء. وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين: { ولتستبين } بالتاء { سبيل المجرمين } برفع السبيل على أن القصد للسبيل، ولكنه يؤنثها. وكأن معنى الكلام عندهم: وكذلك نفصل الآيات ولتتضح لك وللمؤمنين طريق المجرمين. وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: «وليستبين» بالياء { سبيل المجرمين } برفع السبيل على أن الفعل للسبيل ولكنهم يذكرونه. ومعنى هؤلاء في هذا الكلام، ومعنى من قرأ ذلك بالتاء في: { ولتستبين } ورفع السبيل واحد، وإنما الاختلاف بينهم في تذكير السبيل وتأنيثها. وأولى القراءتين بالصواب عندي في «السبيل» الرفع، لأن الله تعالى ذكره فصل آياته في كتابه وتنزيله، ليتبين الحق بها من الباطل جميع من خوطب بها، لا بعض دون بعض. ومن قرأ «السبيل» بالنصب، فإنما جعل تبيين ذلك محصورا على النبي صلى الله عليه وسلم. وأما القراءة في قوله: { ولتستبين } فسواء قرئت بالتاء أو بالياء، لأن من العرب من يذكر السبيل وهم تميم وأهل نجد، ومنهم من يؤنث السبيل وهم أهل الحجاز، وهما قراءتان مستفيضتان في قراء الأمصار ولغتان مشهورتان من لغات العرب، وليس في قراءة ذلك بإحداهما خلاف لقراءته بالأخرى ولا وجه لاختيار إحداهما على الأخرى بعد أن يرفع السبيل للعلة التي ذكرنا. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: { نفصل الآيات } قال أهل التأويل. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { وكذلك نفصل الآيات } نبين الآيات. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في: { نفصل الآيات }: نبين.
صفحة غير معروفة