جامع البيان في تفسير القرآن
[5.117]
وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول عيسى، يقول: ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول أن أقوله لهم، وهو أن قلت لهم { اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا } يقول: وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهدا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم. { فلما توفيتني } يقول: فلما قبضتني إليك، { كنت أنت الرقيب عليهم } يقول: كنت أنت الحفيظ عليهم دوني، لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم. وفي هذا تبيان أن الله تعالى إنما عرفه أفعال القوم ومقالتهم بعد ما قبضه إليه وتوفاه بقوله:
أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله
{ وأنت على كل شيء شهيد } يقول: وأنت تشهد على كل شيء، لأنه لا يخفى عليك شيء، وأما أنا فإنما شهدت بعض الأشياء، وذلك ما عاينت وأنا مقيم بين أظهر القوم، فإنما أنا أشهد على ذلك الذي عاينت ورأيت وشهدت. وبنحو الذي قلنا في قوله: { كنت أنت الرقيب عليهم } قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { كنت أنت الرقيب عليهم } أما الرقيب: فهو الحفيظ. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { كنت أنت الرقيب عليهم } قال: الحفيظ. وكانت جماعة من أهل العلم تقول: كان جواب عيسى الذي أجاب به ربه من الله تعالى توفيقا منه له فيه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } قال: الله وفقه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو داود الحفري، قال: قرىء على سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه طاوس، قال: احتج عيسى والله وفقه: { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله }... الآية. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: قال الله تعالى: { يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله }؟ قال: فأرعدت مفاصله، وخشي أن يكون قد قالها،ف
قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب
[5.118]
يقول تعالى ذكره: إن تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة بإماتتك إياهم عليها، فإنهم عبادك، مستسلمون لك، لا يمتنعون مما أردت بهم ولا يدفعون عن أنفسهم ضرا ولا أمرا تنالهم به. وإن تغفر لهم بهدايتك إياهم إلى التوبة منها فتستر عليهم، فإنك أنت العزيز في انتقامه ممن أراد الانتقام منه لا يقدر أحد يدفعه عنه، الحكيم في هدايته من هدى من خلقه إلى التوبة وتوفيقه من وفق منهم لسبيل النجاة من العقاب. كالذي: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم } فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام، { فإنك أنت العزيز الحكيم } وهذا قول عيسى في الدنيا. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } قال: والله ما كانوا طعانين ولا لعانين.
[5.119]
اختلفت القراء في قراءة قوله: { هذا يوم ينفع الصادقين } فقرأ ذلك بعض أهل الحجاز والمدينة: " هذا يوم ينفع الصادقين " بنصب «يوم». وقرأ بعض أهل الحجاز وبعض أهل المدينة وعامة قراء أهل العراق: { هذا يوم ينفع الصادقين } برفع يوم. فمن رفعه رفعه بهذا، وجعل «يوم» اسما، وإن كانت إضافته غير محضة، لأنه صار كالمنعوت. وكان بعض أهل العربية يزعم أن العرب يعملون في إعراب الأوقات مثل اليوم والليلة عملهم فيما بعدها، إن كان ما بعدها رفعا رفعوها، كقولهم: هذا يوم يركب الأمير، وليلة يصدر الحاج، ويوم أخوك منطلق وإن كان ما بعدها نصبا نصبوها، وكذلك كقولهم: هذا يوم خرج الجيش وسار الناس، وليلة قتل زيد ونحو ذلك، وإن كان معناها في الحالين: «إذ»، و«إذا». وكأن من قرأ هذا هكذا رفعا وجه الكلام إلى أنه من قيل الله يوم القيامة، وكذلك كان السدي يقول في ذلك. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } هذا فصل من كلام عيسى، وهذا يوم القيامة. يعني السدي بقوله: «هذا فصل من كلام عيسى» أن قوله:
سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق
صفحة غير معروفة