1062

القول في تأويل قوله تعالى: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين }. اختلف فيمن عنوا بهذا الخطاب، فقال بعضهم: عني به أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } قالا: أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: عني به قوم موسى صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: هم قوم موسى. حدثني الحارث بن محمد، قال: ثنا عبد العزيز بن أبان، قال: ثنا سفيان عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } قال: هم بين ظهرانيه يومئذ. ثم اختلفوا في الذي آتاهم الله ما لم يؤت أحد من العالمين، فقال بعضهم: هو المن والسلوى والحجر والغمام. ذكر من قال ذلك: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } قال: المن والسلوى والحجر والغمام. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } يعني أهل ذلك الزمان ، المن والسلوى والحجر والغمام. وقال آخرون: هو الدار والخادم والزوجة. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بشر بن السري، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } قال: الرجل يكون له الدار والخادم والزوجة. حدثني الحرث. قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } المن والسلوى والحجر والغمام. وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين، خطاب لبني إسرائيل، حيث جاء في سياق قوله: { اذكروا نعمة الله عليكم } ومعطوفا عليه. ولا دلالة في الكلام تدل على أن قوله: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين مصروف عن خطاب الذين ابتدىء بخطابهم في أول الآية. فإن كان ذلك كذلك، فأن يكون خطابا لهم أولى من أن يقال: هو مصروف عنهم إلى غيرهم. فإن ظن ظان أن قوله: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } لا يجوز أن يكون خطابا لبني إسرائيل، إذ كانت أمة محمد قد أوتيت من كرامة الله نبيها عليه الصلاة والسلام محمدا، ما لم يؤت أحدا غيرهم، وهم من العالمين فقد ظن غير الصواب، وذلك أن قوله: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } خطاب من موسى صلى الله عليه وسلم لقومه يومئذ، وعنى بذلك عالمي زمانه لا عالمي كل زمان، ولم يكن أوتي في ذلك الزمان من نعم الله وكرامته ما أوتي قومه صلى الله عليه وسلم أحد من العالمين، فخرج الكلام منه صلى الله عليه وسلم على ذلك لا على جميع كل زمان.

[5.21]

وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول موسى صلى الله عليه وسلم لقومه من بني إسرائيل، وأمره إياهم عن أمر الله إياه، يأمرهم بدخول الأرض المقدسة. ثم اختلف أهل التأويل في الأرض التي عناها بالأرض المقدسة، فقال بعضهم: عنى بذلك: الطور وما حوله. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الأرض المقدسة: الطور وما حوله. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني الحارث بن محمد، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: { ادخلوا الأرض المقدسة } قال: الطور وما حوله. وقال آخرون: هو الشأم. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { الأرض المقدسة } قال: هي الشأم. وقال آخرون: هي أرض أريحاء. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } قال: أريحاء. حدثني يوسف بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: هي أريحاء. حدثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: هي أريحاء. وقيل: إن الأرض المقدسة: دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وعنى بقوله { المقدسة }: المطهرة المباركة. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { الأرض المقدسة } قال: المباركة. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بمثله. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: هي الأرض المقدسة، كما قال نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم. لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تدرك حقيقة صحته إلا بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به، غير أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التي بين الفرات وعريش مصر لإجماع جميع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار على ذلك. ويعني بقوله: { التي كتب الله لكم }: التي أثبت في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن، ومنازل دون الجبابرة التي فيها. فإن قال قائل: فكيف قال: { التي كتب الله لكم } ، وقد علمت أنهم لم يدخلوها بقوله: { فإنها محرمة عليهم }؟ فكيف يكون مثبتا في اللوح المحفوظ أنها مساكن لهم، ومحرما عليهم سكناها؟ قيل: إنها كتبت لبني إسرائيل دارا ومساكن، وقد سكنوها ونزلوها، وصارت لهم كما قال الله جل وعز.

وإنما قال لهم موسى: { ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } يعني بها: كتبها الله لبني إسرائيل وكان الذين أمرهم موسى بدخولها من بني إسرائيل ولم يعن صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ذكره كتبها للذين أمرهم بدخولها بأعيانهم، ولو قال قائل: قد كانت مكتوبة لبعضهم، ولخاص منهم، فأخرج الكلام على العموم والمراد منه الخاص، إذ كان يوشع وكالب قد دخلا، وكانا ممن خوطب بهذا القول، كان أيضا وجها صحيحا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة عن محمد بن إسحاق: { التي كتب الله لكم }: التي وهب الله لكم. وكان السدي يقول: معنى «كتب» في هذا الموضع بمعنى «أمر». حدثنا بذلك موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم }: التي أمركم الله بها. القول في تأويل قوله تعالى: { ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين }. وهذا خبر من الله عز ذكره عن قيل موسى عليه السلام لقومه من بني إسرائيل، إذ أمرهم عن أمر الله عز ذكره إياه بدخول الأرض المقدسة، أنه قال لهم: امضوا أيها القوم لأمر الله الذي أمركم به من دخول الأرض المقدسة، { ولا ترتدوا } يقول: لا ترجعوا القهقري مرتدين { على أدباركم } يعني: إلى ورائكم، ولكن امضوا قدما لأمر الله الذي أمركم به من الدخول على القوم الذين أمركم الله بقتالهم والهجوم عليهم في أرضهم، وأن الله عز ذكره قد كتبها لكم مسكنا وقرارا. ويعني بقوله: { فتنقلبوا خاسرين }: أنكم تنصرفوا خائبين هكذا. وقد بينا معنى الخسارة في غير هذا الموضع بشواهده المغنية عن إعادته في هذا الموضع. فإن قال قائل: وما كان وجه قيل موسى لقومه إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين؟ أو يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضا جعلت له؟ قيل: إن الله عز ذكره كان أمره بقتال من فيها من أهل الكفر به وفرض عليهم دخولها، فاستوجب القوم الخسارة بتركهم. إذا فرض الله عليهم من وجهين: أحدهما تضييع فرض الجهاد الذي كان الله فرضه عليهم. والثاني: خلافهم أمر الله في تركهم دخول الأرض، وقولهم لنبيهم موسى صلى الله عليه وسلم إذ قال لهم «ادخلوا الأرض المقدسة»: { إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون }.وكان قتادة يقول في ذلك بما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } أمروا بها كما أمروا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة.

[5.22]

وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن جواب قوم موسى عليه السلام، إذا أمرهم بدخول الأرض المقدسة، أنهم أبوا عليه إجابة إلى ما أمرهم به من ذلك، واعتلوا عليه في ذلك بأن قالوا: إن في الأرض المقدسة التي تأمرنا بدخولها قوما جبارين لا طاقة لنا بحربهم ولا قوة لنا بهم. وسموهم جبارين، لأنهم كانوا بشدة بطشهم وعظيم خلقهم فيما ذكر لنا قد قهروا سائر الأمم غيرهم. وأصل الجبار: المصلح أمر نفسه وأمر غيره، ثم استعمل في كل من اجتر نفعا إلى نفسه بحق أو باطل طلب الإصلاح لها حتى قيل للمتعدي إلى ما ليس له بغيا على الناس وقهرا لهم وعتوا على ربه: جبار، وإنما هو فعال من قولهم: جبر فلان هذا الكسر إذا أصلحه ولأمه، ومنه قول الراجز:

قد جبر الدين الإله فجبر

وعور الرحمن من ولى العور

يريد: قد أصلح الدين الإله فصلح ومن أسماء الله تعالى ذكره الجبار، لأنه المصلح أمر عباده القاهر لهم بقدرته. ومما ذكرته من عظم خلقهم ما: حدثني به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط عن السدي في قصة ذكرها من أمر موسى وبني إسرائيل، قال: ثم أمرهم بالسير إلى أريحاء، وهي أرض بيت المقدس، فساروا حتى إذا كانوا قريبا منهم، بعث موسى اثني عشر نقيبا من جميع أسباط بني إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبارين، فلقيهم رجل من الجبارين، يقال له: عوج، فأخذ الاثني عشر فجعلهم في حجزته، وعلى رأسه حملة حطب، وانطلق بهم إلى امرأته، فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا، بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك. حدثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، قال: قال أبو سعيد، قال عكرمة، عن ابن عباس، قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبا من المدينة، وهي أريحاء. فبعث إليهم اثني عشر عينا، من كل سبط منهم عينا، ليأتوه بخبر القوم. قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمرا عظيما من هيئتهم وجثثهم وعظمهم، فدخلوا حائطا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم وتتبعهم، فكلما أصاب واحدا منهم أخذه، فجعله في كمه مع الفاكهة. وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: { إن فيها قوما جبارين } ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخلق ليست لغيرهم.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: إن موسى عليه السلام قال لقومه: إني سأبعث رجالا يأتونني بخبرهم وإنه أخذ من كل سبط رجلا، فكانوا اثني عشر نقيبا، فقال: سيروا إليهم وحدثوني حديثهم وما أمرهم ولا تخافوا إن الله معكم ما أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وآمنتم برسله، وعزرتموهم، وأقرضتم الله قرضا حسنا. ثم إن القوم ساروا حتى هجموا عليهم، فرأوا أقواما لهم أجساما عجب، عظما وقوة، وأنه فيما ذكر أبصرهم أحد الجبارين، وهم لا يألون أن يخفوا أنفسهم حين رأوا العجب، فأخذ ذلك الجبار منهم رجالا، فأتى رئيسهم، فألقاهم قدامه، فعجبوا وضحكوا منهم، فقال قائل منهم: إن هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوكم، وأنه لولا ما دفع الله عنهم لقتلوا. وإنهم رجعوا إلى موسى عليه السلام فحدثوه العجب. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:

صفحة غير معروفة