736

جامع بيان العلم وفضله

محقق

أبو الأشبال الزهيري

الناشر

دار ابن الجوزي

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م

مكان النشر

السعودية

بَابُ إِتْيَانِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْمُجَادَلَةِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] وَقَالَ: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ وَالْبَينَةُ مَا بَانَ مِنَ الْحَقِ، وَقَالَ: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مِنْ حُجَّةٍ قَالُوا: وَالسُّلْطَانُ: الْحُجَّةُ وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] "
١٨٢١ - حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ، نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْحَلَبِيُّ الْقَاضِي، نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، ثنا مِهْرَانُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥] قَالَ: ⦗٩٥٤⦘ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ وَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ضَحِكْتُ؟» وَذَكَرَ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: " فِي مُجَادَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَيَّ الْيَوْمَ شَاهِدًا إِلَّا مِنْ نَفْسِي قَالَ: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] كَذَا قَالَ وَيَخْتِمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ " وَقَالَ: «إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ» وَقَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] يَقُولُ: فَانْقَطَعَ وَخُصِمَ وَلَحِقَهُ الْبُهْتُ عِنْدَ أَخْذِ الْحُجَّةِ لَهُ وَوَصَفَ اللَّهُ ﷿ خُصُومَةَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ قَوْمَهُ وَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَبِيهِ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] إِلَى قَوْلِهِ ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٦٧] الْآيَاتِ كُلَّهَا وَنَحْوَ هَذَا فِي سُورَةِ الظُّلَّةِ ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧١] فَحَادُوا عَنْ جَوَابِ سُؤَالِهِ هَذَا إِذِ انْقَطَعُوا وَعَجَزُوا عَنِ الْحُجَّةِ فَقَالُوا ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤] وَهَذَا لَيْسَ بِجَوَابٍ عَنْ هَذَا ⦗٩٥٥⦘ السُّؤَالِ وَلَكِنَّهُ حَيْدَةٌ وَهَرَبٌ عَمَّا لَزِمَهُمْ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الِانْقِطَاعِ، وَقَالَ ﷿: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] قَالُوا: بِالْعِلْمُ وَالْحُجَّةُ، وَقَالَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ ﵇: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢] الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: ٣٥] وَقَالَ فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇ ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه: ٤٩] الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] وَكَذَلِكَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] إِلَى قَوْلِهِ ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحُجَّةٍ وَاضِحَةٍ أَدْحَضُ بِهَا حُجَّتَكَ، وَقَالَ ﷿ ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤] إِلَى قَوْلِهِ ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] فَهَذَا كُلُّهُ تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ ﷿ لِلسَّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَالْمُجَادَلَةِ وَجَادَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ الْكِتَابِ وَبَاهَلَهُمْ بَعْدَ الْحُجَّةِ قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] الْأَيَةَ ثُمَّ قَالَ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] الْآيَةَ، ⦗٩٥٦⦘
١٨٢٢ - وَقَالَ ﷺ: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ» الْحَدِيثَ ⦗٩٥٧⦘
١٨٢٣ - وَجَادَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الْيَهُودَ فِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ﵉، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَ لِعُمَرَ أَرْضٌ بِأَعْلَى الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَأْتِيهَا وَكَانَ طَرِيقُهُ عَلَى مَوْضِعِ مُدَارَسَةِ الْيَهُودِ وَكَانَ كُلَّمَا مَرَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَسَمِعَ مِنْهُمْ وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالُوا: يَا عُمَرُ، مَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْكَ، إِنَّهُمْ يَمُرُّونَ بِنَا فَيُؤْذَونَنَا وَتَمُرُّ بِنَا فَلَا تُؤْذِينَا، وَإِنَّا لَنَطْمَعُ فِيكَ فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: أَيُّ يَمِينٍ فِيكُمْ أَعْظَمُ؟ قَالُوا: الرَّحْمَنُ، قَالَ: فَبِالرَّحْمَنِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْارَةَ عَلَى مُوسَى بِطُورِ سَيْنَاءَ، أَتَجِدُونَ مُحَمَّدًا عِنْدَكُمْ نَبِيًّا، فَسَكَتُوا قَالَ: تَكَلَّمُوا مَا شَأْنُكُمْ؟ وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكُمْ وَأَنَا شَاكٌ فِي شَيْءٍ مِنْ دِينِي، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: أَخْبِرُوا الرَّجُلَ أَوْ لَأُخْبِرَنَّهُ قَالُوا: نَعَمْ إِنَّا لَنَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا وَلَكِنَّ صَاحِبَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِي يَأْتِيهِ بِالْوَحْيِ هُوَ جِبْرِيلُ، وَجِبْرِيلُ عَدُوُّنَا وَهُوَ صَاحِبُ كُلِّ قِتَالٍ وَعَذَابٍ وَخَسْفٍ وَلَوْ أَنَّهُ كَانَ وَلِيُّهُ مِيكَائِيلَ لَآمَنَّا بِهِ، فَإِنَّ مِيكَائِيلَ صَاحِبُ كُلِّ رَحْمَةٍ وَكُلِّ غَيْثٍ قَالَ: فَأُنْشِدُكُمُ الرَّحْمَنَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَيْنَ مِيكَائِيلُ وَأَيْنَ جِبْرِيلُ مِنَ اللَّهِ ﷿؟ قَالُوا: جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَشْهَدُ أَنَّ الَّذِيَ هُوَ عَدُوٌّ لِلَّذِي عَنْ يَمِينِهِ عَدُوٌّ لِلَّذِي عَنْ يَسَارِهِ، وَالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لِلَّذِي عَنْ يَسَارِهِ عَدُوٌّ لِلَّذِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَنَّهُ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لَهُمَا فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ لِيُخْبِرَ النَّبِيَّ ﷺ فَوَجَدَ جِبْرِيلَ ﵇ قَدْ سَبَقَهُ بِالْوَحْيِ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبَشَرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٧] الْآيَاتِ، فَقَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَقَدْ جِئْتُ وَمَا أُرِيدُ إِلَّا أَنْ أُخْبِرَكَ، فَهَذَا مِمَّا صَدَّقَ اللَّهُ ﷿ فِيهِ قَوْلَ عُمَرَ «وَاحْتِجَاجَهُ، وَهُوَ بَابٌ مِنَ الِاحْتِجَاجِ لَطِيفٌ مَسْلُوكٌ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ وَتَرَكْنَا إِسْنَادَ هَذَا الْخَبَرِ وَسَائِرِ مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ؛ لِشُهْرَتِهَا فِي التَّفَاسِيرِ وَالْمُصَنَّفَاتِ، ⦗٩٥٨⦘
١٨٢٤ - وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ» أَنَّ آدَمَ احْتَجَّ مَعَ مُوسَى ﵉ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى " وَقَالَ جَلَّ عَزَّ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] فَأَثْنَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَهْلِ الْحَقِّ وَذَمَّ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالْبَاطِلِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارْثِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ

2 / 953